سجل احتجاجه ثم رحل وتركنا
ماجد كيالي
“مهزومون ومنتصرون” هو عنوان لمقالة كتبها إدوارد سعيد يرثي فيها صديقه حنا ميخائيل، الذي فقدت آثاره في سفينة كانت متوجهة من بيروت إلى طرابلس (لبنان) مع مجموعة من كوادر “فتح” في الساحل اللبناني، بداية الحرب الأهلية في لبنان (1976)، وقد رجحت معلومات بشأن أن المركب تم إغراقه في قصف مدفعي أو إن النظام السوري تمكن من اعتقال المجموعة، وتكتم عنها، علما أنه في كان دخل تلك الحرب ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وقتها.
الفكرة في تلك المقالة أن إدوارد تحدث عن حنا (أبو عمر) الأكاديمي الذي كان يدرّس في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه آثر أن يترك تلك المكانة ليلتحق بالعمل الفدائي في الأردن ثم في لبنان، لتختفي آثاره في تلك الفترة، مبينا أنه ثمة في الثورات مهزومون ومنتصرون أيضا، بمعنى أن نموذج أبو عمر، لم يستطع أن يؤكد ذاته ونهجه في العمل الوطني الفلسطيني، وأن النموذج الذي انتصر هو نموذج الانتهازي والوصولي والزبائني.
هذا ما يحضرني عندما أفكر بمآلات الثورة السورية المجيدة والنبيلة والعادلة والمستحيلة، وضمن ذلك مآلات كثر من المعارضين والمناضلين السوريين، الذين عرفتهم قبل الثورة أو الذين تعرفت عليهم بعد الثورة. ويأتي ضمن هؤلاء الراحل العزيز منصور الآتاسي (أبو العزيزين مطيع ورامي)، هؤلاء الرجال الذين اختفوا بطريقة أو بأخرى من مشهد المعارضة السورية، ظلما، وبطريقة متعمدة، لصالح شخصيات ليس لها أي تاريخ، ولا تحمل هم المعارضة، وتفتقر إلى أولويات السياسة، وكل رأسمالها أنها انضوت في جماعة ما أو كانت اكتر طواعية لجماعة هيمنت على المعارضة بفضل تابعيتها أو محاباتها لقوى دولتية مؤثرة في الصراع السوري، أكثر بكثير من تابعيتها لحقوق الشعب السوري ولسلامة مسار ثورته.
كانت بداية معرفتي بمنصور، وبابنه رامي (وبعدها ابنه مطيع)، في أول شهر لغربتي الثانية التي محطتها إسطنبول في تركيا، إذ نظم مجموعة من المبادرين أسبوعا ثقافيا تضمن عناوين سياسية، بمناسبة مرور خمسة أعوام على الثورة السورية. هكذا فمن يومها، وبمعية بعض الأصدقاء، توطدت علاقتي به، فهو من قلائل زرتهم في بيتهم في إسطنبول، وزارني في بيتي، وصدف أننا في حارة واحدة في كورتولوش (القريبة من موقف عثمان بيه ومن ميدان تقسيم)، لأربعة أعوام.
في الأثناء تعرفت على رجل طيب السريرة والسيرة، لطيف المعشر، مسكون بالتمرد، ويعيش على الأمل، كان هاجسه، الأول، كيفية تصحيح مسار الثورة أو المعارضة السورية. وهاجسه الثاني، كيفية توحيد أطراف المعارضة المتناثرة، التي أعيت الجميع عن إيجاد معادلة توحدها. أما هاجسه الثالث فتعرية الفساد والفاسدين من “المنتصرين” في الثورة على حساب شعب سوريا وتضحياته.
شاركت في عديد من جلسات النقاش الجماعية، التي شعرت أن منصور يحرص على دعوتي لحضورها في بيته، والتي كان من خلالها يحاول أن يطرح الأسئلة، وأن يوجد نوع من القواسم المشتركة بين شخصيات في المعارضة السورية، ولكن كل تلك الجهود لم تفلح مع الأسف، بسبب عدم أهلية من تصدر المعارضة، وعدم شعوره بالمسؤولية، وأيضا بسبب تابعيته لأجندات لا علاقة لها بمصالح السوريين، ولا علاقة لها بسلامة مسار ثورتهم.
أخر لقاء جمعني بمنصور، وقد بدا أن المرض بات يأخذ منه، كان في مقهى كيتشينت في ميدان تقسيم، تداولنا فيما يمكن عمله، أو ما يجب عمله، وطبعا فكل ما تداولنا به ذهب أدراج الرياح، أيضا بسبب ضعف مسؤولية الأطراف التي كنا نعول عليها لعمل مشترك.
هكذا رحل منصور بعد أن سجل احتجاجه، على واقع الفساد وانعدام المسؤولية في المعارضة السورية، وبعد أن شهد فصولا من تراجع هذه الثورة، ما شكل جرحا في فؤاده، رغم أنني لم الحظ مرة حالة يأس لديه، بل كنت اشعر أن الرجل يقاوم اليأس، وأن الأمل في قلبه، وفي شعبه، أقوى من أي يأس.
رحل منصور، لكنه باق لدينا، ولا اعرف إنني ارثيه اليوم، أم ارثي حالنا أو حال شعبنا العزيز في سوريا، أم ارثي حال ثورتنا…
طبعا بعد ذلك طويت أيامي في تركيا، وغادرتها، لا أعرف أن كان ذلك صدفة، أم كان توقيتا مقدرا، كأنها لم تعد مناسبة، بعد رحيل منصور، وأمثال منصور، أو كأنها ليست لـ “المهزومين” من أمثالنا، وإنما لهذا النمط من “المنتصرين”، الذين يعيشون على الثورات والتضحيات كطفيليات، أو كطحالب…مع ذلك أؤمن بأن رجال مثل منصور، وأؤمن بأن السوريين يستحقون الأفضل، ولا بد أن يحققوا ذاتهم وحريتهم، بتضحياتهم وبكفاحهم العنيد.
سيبقى منصور بذكراه الطيبة، بكرمه، وبسخريته، وضحكته، وتساؤلاته بيننا وفي قلوبنا، وهذه تحية وفاء لعائلته، وللصديقين العزيزين رامي ومطيع، ولكل الأصدقاء المشتركين.

Social Links: