
رئيس التحرير
أسس مؤتمر حزب اليسار الديمقراطي الثالث لحالة جديدة في الحياة السياسية السورية حسب رأيي، فقد كان مؤتمرا استثنائيا بكل المقاييس.
استمر المؤتمر الأول التأسيسي للحزب في عام 2015 أكثر من ثلاثة أشهر، عملنا خلالها بجد على صياغة وثائق سياسية وتنظيمية لحزب وليد على الساحة السياسية السورية، يعتمد على تضحيات من سبقنا من رفاقنا الشيوعيين واليساريين ضد الاستبداد والاحتلال، ويقطع مع الذهنية الاستبدادية السابقة، وينتقدها، وينتقد تحالف الأحزاب اليسارية الرسمية مع نظام الاستبداد والاجرام الأسدي.
لقد خرجنا في ذلك الوقت لنعلن بجرأة بأن الماركسية ليست دين، وما كتبه ماركس ليس قرآن كريم منزل، إنما فيه ما يناسب طبيعة مجتمعنا والمرحلة التي نمر بها، وفيه ما لا يناسب خصوصيتنا، وتم التأكيد على أن اسقاط نظام الاستبداد الأسدي ضرورة للانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي، وانتقدنا ديكتاتورية البروليتارية وعززنا القيم الديمقراطية.
في المؤتمر الثاني تم تعزيز مسألة الديمقراطية بالحزب من خلال إعطاء الصلاحيات الكاملة للمؤسسة (اللجنة المركزية) على حساب الامين العام، وسرنا باتجاه ترسيخ عمل المؤسسات بعد أن كنا نعتمد على الراحل منصور الأتاسي، تلك الشخصية الوطنية ذات التاريخ اليساري العريق والخبرة السياسية والفكرية والتنظيمية الكبيرة، وكنا في الغالب نتكئ عليه معظم الوقت لثقتنا ومحبتنا به، لكن لم يكتمل عملنا في وجوده، فقد كان القدر أسرع إليه مننا، وهرعنا خائفين على الحزب متمسكين به، وكلا منا أمسك بقسم من الحزب يحاول حمايته، واصطدمنا مع بعض في مرات كثيرة، وتعطلت الرافد لشهور طويلة، وبدأت تأتي الاتصالات من الأحزاب والتجمعات الأخرى تحمل عروض الاندماج والذوبان بها بعد أن فقدنا “كبيرنا” حسب تعبيرهم، لكن كل هذا لم يمنعنا من الاستمرار والصمود ورفد الحزب بكوادر جديدة، والدخول مع تحالفات والخروج من أخرى بعد فشل الأداء معها، وتعلمنا الكثير خلال السنوات الثلاث منذ وفاة “كبيرنا” من خلال التجربة والنضج الذاتي.
لم يكن “المعلم” كما أحب أن أطلق عليه – واللقب أو الصفة هنا آتية من التعليم، فهو استاذي الذي تعلمت منه السياسة – استبداديا ديكتاتوريا يرغب بأن نبصم له دون نقاش، بل كنا نناقشه ونختلف معه وفي النهاية وبهدوئه وحنكته نصل لتوافقات، لكننا كنا نحس بفارق الخبرة بالسياسة والتنظيم والفكر، ونعتمد ونتكئ عليه في الغالب، لهذا وحين طلب مني وضع مادة في النظام الداخلي أثناء التحضير لمؤتمر الحزب الثاني تقول بأن الامين العام دورتين بأثر رجعي غضبت منه وناقشته بأننا نحتاج لخبرته وتجربته، فكان رده الهادئ، إن لم تنضجوا ذاتيا فلن ينفع استمرار منصور الأتاسي معكم، فما لدي قدمته في دورتان انتخابيتان، لهذا يجب أن أترك لأتيح المجال لفكر جديد ودم جديد.
كان لدينا عتب كبير عليه، لأنه لم يسهل علينا العمل ويوصي بخليفة له ليقود الحزب، بل ترك الأمر للمؤسسة كي تختار من تريد، وهذا ما حصل، واعتمدنا على أنفسنا، وانتخبنا الرفيق عبد الله حاج محمد كأمين عام للدورة الثانية، وحين جاء مؤتمرنا الثالث دون وجود ابو مطيع خفنا وتهيبنا الأمر، واستصعبنا الحمل، وتأجل لمرات كثيرة قبل الاتفاق على موعده الذي تصادف مع المباراة النهائية لكأس العالم.
حفل الافتتاح كان مهرجانا وطنيا بامتياز، وما شاهدناه من شبه إجماع للقوى الوطنية الديمقراطية السورية على أهمية دور اليسار الديمقراطي السوري في الثورة السورية، جعلنا نخاف ونتهيب الموضوع أكثر، فعكفنا على مسودات وثائق الحزب الموضوعة منذ عدة أشهر، والتي تجاوزتها التطورات السريعة من الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى محاولات إعادة تعويم النظام، إلى قانون مكافحة كبتاغون الأسد ..الخ، مما دفعنا إلى فتح مسودات الوثائق السياسية والتنظيمية واعادة النقاش حولها وصياغتها من جديد، وخضنا جلسات عديدة مطولة، وناقشنا بكل ديمقراطية كل كلمة، واستطعنا الوصول إلى الصياغات المتفق عليها، والصياغات المختلف عليها والتي قمنا بالتصويت عليها من خلال الاستفادة من تقنيات العصر ووسائل التواصل الاجتماعي وتسخيرها لخدمة ديمقراطية الحزب.
من أكثر الأسئلة التنظيمية التي حصل عليها جدال كانت هل ننتخب الأمين العام من اللجنة المركزية أم من المؤتمر ؟ كما اختلفنا حول البنية التنظيمية وشكل توزيع السلطات في الحزب، فقد كان هناك طرح بأن تتشكل هيئة للأمانة من ثلاث مراكز، الأول هو رئيس للحزب ينتخب من المؤتمر، ومن أمين عام وسكرتير للجنة المركزية ينتخبان من اللجنة المركزية وهي بدورها منتخبة من المؤتمر، وأن تتقلص اللجنة المركزية لتصبح خمسة أشخاص يقود كلا منهم مكتبا من مكاتب الحزب ويختار هو كادره حسب التجربة الأمريكية، وبهذا يكون الاعتماد على الشخص وهو المحاسب والمسؤول أمام المؤتمر. بينما كان الطرح الآخر يتحدث عن لجنة مركزية منتخبة من المؤتمر تتكون من عدد لا يقل عن 13 شخص، تكون هي القائد الحقيقي للحزب خلال الفترة بين مؤتمرين، وتنتخب منها أمينا عاما يمثلها ويدير اجتماعاتها وينطق باسمها، وتتشكل هيئة الأمانة العامة من سكرتاريا المنظمات والمكاتب برئاسة الأمين العام، والتي تدير الشأن اليومي للحزب وتكون هي القائد المؤقت بين اجتماعي لجنة مركزية، وتعرض كافة القرارات التي اتخذت في الامانة العامة على اللجنة المركزية في أول اجتماع لها للتصويت عليها بالقبول أو الرفض أو طلب التعديل.
كانت التجارب المكتسبة عبر تاريخ العمل الحزبي تقول بأن الخطب في الأحزاب السورية ينبع من اختصار المؤسسة بشخص، وأنه يجب أن تتوزع السلطات على عدة مؤسسات وعدة أشخاص بحيث لا يمكن لشخص أو مجموعة أشخاص من أن يتحكموا بالحزب ككل، لهذا فقد ارتأينا أن نبني الحزب على المؤسسات لا على الاشخاص.
استطاع الرفيق رؤى ابتكار آلية انتخابية تسمح بتحقيق الديمقراطية بأفضل شكل، بحيث تتحقق الشفافية واظهار الأصوات علنا أثناء الفرز، وبنفس الوقت تحافظ على سرية المصوت، وبهذا استطعنا تنفيذ الانتخابات بأعلى معايير ديمقراطية.
اليوم ومع بدء عمل اللجنة المركزية المنتخبة، وتوزيع المكاتب عليها، أعتقد أننا استفدنا من اختلاف وجهات النظر وتطورنا وتقدمنا وقوينا أكثر، وتوصلنا لأفضل النتائج فيما يخص آليات عمل الحزب، وأساليب الديمقراطية، والتي ليست مجرد كلمات وأنظمة، بل هي ممارسة وعمل، وهكذا سنضمن أن اللجنة المركزية المنتخبة تمثل الجميع لا الفريق الناجح بالانتخابات، وأنه سيكون هناك مكان وعمل ونشاط لمن لم يحالفه الحظ بالفوز بها، كما هو الحال في أي حزب ديمقراطي.
على مدار 18/12 – 8/1
31 /12
24 يوم
Social Links: