جارنا كل ليلة ، يطرق بيوت الجيران بيتا” بيتا” يخبر الجميع أنه في الصباح سيكون ملكا” ، يسأل الجميع عن احتياجاتهم ، يسجلها في ورقة ..هدى ماذا تحتاجين غير الكتب ، هل تريدين صدرية و بسكليت و إوزة مشوية ؟!حسنا” غدا” ستكون كلها هنا عندك ..!! زاهر لماذا لا تصالح أخاك صبري ، إذا كانت مشكلتكم من أجل الأرض الغربية ، أنا غدا” سأشتريها منه و أقدمها لك هدية ، اذهب و صالحه الآن … أم جمعة ماذا تريدين ؟ فهمت فهمت تريدين أن يخرج ابنك من السجن ، سأخرجه من السجن غدا” لا تهتمي ، أنا أعرف أنه مظلوم ..، سمير غدا” يجب أن تترك هذا البيت المهلهل و تسلمه لصاحبه أنا سأشتري لك بيتا” جديدا” ، .. أم حمزة نظفي القبو غدا” صباحا” سآتيك بثلاث بقرات لتربيها و تطعمي صغارك اليتامى ..
جارنا المجنون ..ينسى صباحا” ما قد قال و يعود في المساء يكرر للجيران وعوده ..
جارنا المجنون لم يقدر له أن يكون ملكا” في يوم من الأيام لذلك فنحن لا نؤاخذه ، و هو مجنون بطبيعة الحال ..
……………….
يوم مات .. كان يوما” حزينا” و سعيدا” لقريتنا على السواء !!
صباحا” حين علم أصحاب القرية بوفاته ضج الخبر بسرعة في كل بيوت القرية ، و حزن عليه للجميع ، و خصوصا” الأطفال ..
فبرغم أنه لم يحقق لأحد أيا” من أمانيه ، إلا أنه كان يعطينا الأمل و يلهب خيالنا بأحلام كبيرة عن عالم لا شقاء و لا فقر و لا ظلم فيه ..
دفن مجنوننا بسرعة ، فقد أفتى شيخ قريتنا بعدم ضرورة الصلاة عليه لأنه فاقد العقل ، و لم يكن له أسرة ، فتمت مراسم دفنه بسرعة ، و خلال ساعات قليلة ، لم يعد في حارتنا من يسجل فيها الأحلام ..
لم يبكه أحد ، باستثناء زنوبة ، ابنة الأربعين ،تلك التي كان كل يوم يقول ، زنوبة لا تزعلي ، فرغم أنك بشعة سأتزوجك أنا بعد أن رفضك الجميع ، جهزي نفسك فغدا” سأصبح ملكا” و سنتزوج مساء ..
بكته زنوبة كثيرا” ، و عندما سئلت عن ذلك ، قالت لهم : لقد كان هناك على الأقل من يعدني بالزواج …
كان حديث كل أهل القرية يومها عن المجنون ، حزن الجميع عليه ، فقد كان الرجال يتندرون عليه ، و النساء كانت تراه مسليا” ، أما الأطفال فكانوا ينتظرونه على أحر من الجمر ليطلبوا منه تحقيق أحلامهم ، و كانوا أيضا” ينسون في الصباح ما طلبوا فيعودون في مساء اليوم التالي فيطلبون من جديد ..
بدأت الإشاعات تنتشر ، بسرعة ، و لم يكن للأهالي في تلك الأيام أشغال كثيرة ، فكانوا يتناقلون تلك الإشاعات بسرعة و يتداولها الأطفال فتكبر و تكبر تلك الإشاعات ..
و كانت أكبر إشاعة في تلك الآونة أن الأحلام التي كتبها مجنون حارتنا ستتحقق كلها !!!
كيف ؟!
ببساطة ، و بحسب الإشاعة وصل خبر المجنون إلى ساكن القصر ، و عرف بقصة الأحلام التي كان يكتبها لأهل القرية ، و لذا و لأن صاحب القصر رجل نبيل و طيب ، فقد قرر بنفسه تحقيق كل هذه الأحلام لأهل حارتنا و قريتنا !!
كبرت الإشاعة جدا” ، و انتقلت إلى القرى المجاورة و حتى إلى المدينة ..
و امتلأت القرية بلافتات كتب عليها : ( شكرا” لساكن القصر لرغبته الكريمة في تحقيق أحلامنا ) ، (كلنا فداء لساكن القصر ) (سيبقى ساكن القصر دائما” الأب الرؤوم لكل المواطنين ) (عودتمونا على كرمكم دائما” يا سيادة ساكن القصر ) …
و في ذلك النهار لا أزال أذكر في ذلك حين أخذت مكبرات الصوت تدعو كل أهالي القرية للاجتماع في الساحة ..و كانوا يقولون إن مندوبا” عن سيادة ساكن القصر سيتحدث إلى أهل القرية..
و هكذا هرع الجميع إلى الساحة و كنت أنا بينهم و كنت حينها طفلا” في الحادية عشرة على ما أذكر ..
و كلنا طبعا” كنا نتوقع أن ساكن القصر أرسل مندوبه ليبشرنا بتحقيق أحلامنا و يتخذ الإجراءات اللازمة ..
و بالفعل وقف المسؤول في الساحة و بيده مكبر صوت و أخذ يصرخ ..
لم أعد أذكر إلا أنه قد قال أن ما يقال عن نية ساكن القصر ما هي إلا إشاعة ، و أن تصرفات المجنون ما هي إلا خرافات و قلة عقل لا تليق بنا ، و حين سئل : و ما يخسر ساكن القصر لو حقق أحلامنا ، انزعج المندوب و صاح : لم يبق إلا أن يأخذ سيادته أوامره من المجانين ..
أحبط أهل القرية ، و عادوا لبيوتهم حتى قبل أن يكمل المندوب حديثه …
بعد أيام وصلت أخبار للقرية أن لجنة قضائية و بإشراف أمني ستقوم بمصادرة الأوراق التي كتب عليها المجنون أحلام القرية ، و ستقوم بحرقها أصولا” منعا” لاستمرار الخرافة و الدجل و التخلف ..
انزعج أهل القرية كثيرا” ، فحتى أحلامهم سيحرقونها !!
قررت أنا مع بعض رفاقي في المدرسة أن نفاجئ المسؤولين عن حرق الأوراق و ننتهز الفرصة و نسرق بعض الأوراق ثم نهرب …
و فعلا” بعد أيام كان موعد الحرق ، و اجتمع أهل القرية ليروا أحلامهم تحترق
و اجتمعنا أنا و رفاقي
و حين حانت اللحظة المناسبة نظر كل منا في وجه الآخر و لكننا جبنا و خفنا بعدما رأينا بعض الجنود و معهم بنادق مخيفة
و فهم كل منا الآخر ، كان اعترافا” صريحا” بالجبن حتى دون أن ننطق بكلمة
وحده أبو شحاطة (اكتسب لقبه هذا بعد هذه الحادثة مباشرة ) وحده أبو شحاطة لم يكن خائفا” ..
و مثل الصقر انقض على عدد من الأوراق و هرب مثل الصاروخ باتجاه بيته و كان قريبا” ، فركض خلفه أحد الجنود و لكنه لم يلحق به ، و دخل أبو شحاطة المنزل و أغلق خلفه الباب ..
و هنا حدثت ضجة كبيرة بين الأهالي و كان والد الطفل أبو شحاطة فأسرع و صار يكلم الجندي ، و الجندي يهدد بكسر الباب إن لم يسترد الأوراق .
طلب الأب من الخارج من ابنه أن يعطيه الأوراق فرفض الولد خوفا” من الجندي ، فقال له والده ان يصعد للسطح و يرمي له الأوراق ، صعد الطفل و هو يبكي ، ثم رمى الأوراق لأبيه و للجندي ، و عندما سأله أبوه ماذا كان يريد أن يفعل بالأوراق قال أبو شحاطة :
-كنت أريد أن أحقق هذه الأحلام لأصحابها حين أكبر
عندها قال الأب بحرقة :
-قدر أحلامنا أن لا تحقق يا بني
أخذ الجندي الأوراق ثم أشار للطفل بأصابعه إشارة قبيحة ، و حين اعترض الأب قال الجندي :
كي تعلم ابنك الأخلاق و التهذيب
غضبنا نحن زملاء أبو شحاطة من اشارة الجندي و لكننا كنا خائفين ..
و هكذا تم حرق أحلامنا أمام أعيننا ، و لم أزل أذكر ذلك الجندي يدوس و يحرك ببوطه العسكري الرماد ليتأكد أن كل الأوراق قد تم حرقها …
انتهى بروتوكول الحرق ، و ركب المسؤولون و الجنود سياراتهم و هموا بالتحرك
و هنا جاءتنا الشجاعة فتوارينا خلف أحد الجدران و صرنا نصرخ و نغني :
-جيش أبو شحاطة ..جيش أبو شحاطة … جيش أبو شحاطة ..
و هنا أخذ الحماس زملينا على السطح و خلع (شحاطته) و صار يرقص بها على السطح على مرأى من الجنود .
و هنا أخذتنا الحماسة أيضا” و صرنا نرمي سيارات المسؤولين و الجنود بالحجارة و لككنا لم نصبهم لأنهم أخذوا يبتعدون و هم يلوحون لنا و نلوح لهم بإشارات مسيئة !!!
بعد أن غابوا عن أنظارنا نزل زميلنا أبو شحاطة و صار الجميع يقبلونه حتى الكبار ..
و شرع الكبار بنزع اللافتات التي كانت ترحب بساكن القصر ، و كانوا يتعمدون أن يدوسوا فوق اسم ساكن القصر ، و يمسحون بها أحذيتهم ، ثم يرمونها بعيدا”
أما نحن فأخذتنا الحماسة بالهتاف ثم حمل أحد الشباب أبو شحاطة على كتفيه و عدنا نغني :
جيش أبو شحاطة ..جيش أبو شحاطة
و كان أبو شحاطة و هو على كتفي الشاب يلوح بشحاطته و يشير بأصابعه إشارات مسيئة يقصد بها الجنود ..
تجولنا على هذه الحالة حوالي الساعتين ، و جبنا كل شوارع القرية ..
و من يومها صرت أكره الجنود !!!!
رؤى عبد الصمد
2017

Social Links: