سنتناول على عده حلقات علم الاجتماع الماركسي وكيف انعكس على حركة الشعوب وتثويرها ضد الاستغلال، وعن الديالكتيك والعلوم والاستفادة منها في تطوير المجتمعات وتفكيك طلاسم في الفلسفة في العلوم الاجتماعية، لقد عمد الاستاذ علي وطفه ان يقدم لنا علم الاجتماع الماركسي بدراسة مبسطة عن الفلسفه والاجتماع
هيئة التحرير
علم الاجتماع الماركسي: من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية
علي أسعد وطفة
” إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ إنهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظل ظروف قائمة بالفعل، ظروف ورثوها ونقلوها من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الميتة تثقل مثل جبال الألب على أدمغة الأحياء ” [1]/ كارل ماركس “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”
الحلقة الثانية
2- مؤثرات ماركس:
لا يمكن للفكر السوسيولوجي أن يتشكل في الفراغ المعرفي، أو أن يولد في العدم السديمي، وإذا أردنا أن ندرك جيداً طبيعة علم من العلوم أو فن من الفنون أو نظرية من النظريات، يجب أن نبحث في المنطلقات الأولى وفي الأصول الأولى التي هيأت لهذا العلم التربة التي نما فيها وترعرع، وهذا يعني أن علم الاجتماع الماركسي، إذا صحت التسمية، لم ينشأ في الفراغ دفعة واحدة، ولم يظهر بوصفه قوة طفرية فرضت نفسها في الوجود. وتفضي التأملات الجارية أن الماركسية قد انطلقت من ثلاث منصاتٍ أساسية أهمها كلاسيكيات الفلسفة الألمانية المتمثلة في جدليات هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel:1891-1770) وفي ماديات لودفيغ فيورباخ ( Ludwig Feuerbach:1798-1851) ؛ وكلاسيكيات الفكر الاقتصادي الإنكليزي عند كل من ديفيد ريكاردو (David Ricardo: 1772-1823) وآدم سميث (Adam Smith: 1723-1790) وتوماس مالتوس (Thomas Malthus :1766-1834)؛ ومن صلب النزعات الاشتراكية الفرنسية في عصر التنوير والثورة الفرنسية ولاسيما الأفكار الاشتراكية لسان سيمون (saint Simon:1760-1825) وشارل فورييه (Chareles Fourier: 1772-1837) وجان جاك وروسو (Jean Jacques Rousseau: 1712-1778) ومعطيات الثورة الفرنسية. ويمكن القول: بأن الماركسية هي نتاج جدلي بين هذه الاتجاهات الثلاثية بين الاقتصاد الإنكليزي والفلسفة الألمانية والطوباوية الثورية الفرنسية. ويمكن التعبير عن هذه المؤثرات الثلاثة بالقول: إن ماركس تأثر بمعطيات الثورة الصناعية في بريطانيا، والثورة السياسية في فرنسا، الثورة الفكرية الفلسفية.
ويعد ماركس رائد الفكر النقدي في العصر الحديث ومن أكثر المفكرين النقديين في التاريخ جرأة واندفاعا وحماسة لأفكاره وتصوراته، وقد بدأ فلسفته بنقده للفلسفة المثالية الهيغيلية ممثلة في الفيلسوف الكبير هيغل والفلسفة المادية الألمانية ممثلة بفلسفة فويرباخ منادياً بالمادية الجدلية التاريخية، وانتقد الاشتراكية الخيالية تحت شعار الاشتراكية العلمية. وقد رفض النظرة الميتافيزيقية للعالم والتفسيرات المثالية للعالم والواقع، ورسخ مذهب المادية الجدلية التي تبحث عن أسباب تطور الأشياء في داخلها لا في خارجها، وهذا ينطبق على الطبيعة والمجتمع والفكر في آن واحد [3].
ويجب علينا في هذا السياق ألّا يفوتنا على الإطلاق الأخذ بعين الاعتبار أهمية الظرف التاريخي الذي احتضن ماركس، إذ كتب له أن يعيش ويعايش الظروف الاجتماعية المبكرة للثورة الصناعية، وأن يشاهد الصعود الكبير للنظام الرأسمالي في أوروبا، وما أفرزه من معطيات اجتماعية قائمة على استغلال الطبقة العاملة وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية، وقد شهد في سياق ذلك مختلف الأوضاع الاغترابية التي عاشتها الطبقات العمالية في زمنه والتي تمثلت في حرمان هذه الطبقة ومحاصرة وجودها الإنساني. ومثل هذه الوضعيات الاغترابية للطبقة العاملة وغيرها من الطبقات الاجتماعية المنكوبة أثارت اهتمام ماركس علمياً وإنسانياً وعاطفياً، وقد دفعه ذلك بوصفه مفكراً وفيلسوفاً اجتماعياً إلى تأسيس رؤية فلسفية عميقة حول العوامل والمتغيرات التاريخية والاجتماعية التي دفعت المجتمعات الإنسانية إلى هذه الوضعية من الانقسام الطبقي، والعمل على استجلاء القوانين الحاكمة لحركة التطور الاجتماعي والعوامل التي تدفع الطبقة العاملة إلى جحيم الاستغلال والقهر والهامشية. ويشكل هذا الاهتمام العلمي المنطلق الأول لتشكل النظرية الماركسية.
عرف ماركس بتعاطفه الإنساني الكبير مع الطبقات الاجتماعية المسلوبة والمنهوبة، وقد شكل عطفه على هذه الطبقات المحرومة أحد أهم العوامل الذاتية في تشكل رؤية ماركس ونظريته العلمية في حركة التاريخ الإنساني القائمة على الصراع الطبقي بين القاهرين والمقهورين أو بين الغالبين والمغلوبين. وقد بذل جهوداً كبيرة في تحليل عوامل نشأة الرأسمالية والقوانين التي تحركها وعوامل وجودها واستمرارها، ومن ثم عوامل فنائها وزوالها، ولذلك نجد أن ماركس كان يتحرك على ثلاثة محاور أساسية في تشكيل نظريته وهي: الدافع العلمي التاريخي والتعاطف الإنساني الشديد مع الطبقات الفقيرة، والرغبة الهائلة في إيجاد القوى الاجتماعية والسياسية للتغيير الاجتماعي؛ من أجل تحرير الطبقات الفقيرة. وتأسيساً على هذه الثلاثية شكلت الماركسية منهجاً فكرياً ثورياً للتقدم الإنساني، وأهابت بماركس أن يكون مفكراً ثورياً وثائراً في الوقت نفسه، وهب نفسه وعلمه للنضال في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية في مسار الدفاع عن المغلوبين والمقهورين في التاريخ الإنساني، ولذا نجده قد انخرط في التنظيمات السياسية والماركسية التي تدعوا علناً وبقوة إلى التغيير الاجتماعية والعمل على تحقيق مجتمع إنساني يخلو من الاستغلال والقهر والعبودية. وفي ظل أعماله ونضاله استحق ماركس أن يكوّن فكراً وعملاً ونضالاً “سبارتاكوس”[4] العصر الحديث، وقد ارتقى إنسانياً إلى الأب الروحي للفكر الثوري في المجتمعات الإنسانية المعاصرة.
درس ماركس طبيعة هذا الاستغلال وحلله وتنبأ بالنتائج التي سيفضي إليها، فهذا الاستغلال قد اتخذ صور شتى عبر التاريخ، من اقتصاد المرحلة العبودية إلى الإقطاعية وأخيراً إلى الرأسمالية، إذ انقسم أفراد المجتمع فيها إلى سادة وعبيد ثم إلى إقطاعيين وفلاحين، وأخيراً برجوازيين وعمال [5].

Social Links: