علم الاجتماع الماركسي: من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية – علي أسعد وطفة

علم الاجتماع الماركسي: من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية – علي أسعد وطفة

سنتناول على عده حلقات علم الاجتماع الماركسي وكيف انعكس على حركة الشعوب وتثويرها ضد الاستغلال، وعن الديالكتيك والعلوم والاستفادة منها في تطوير المجتمعات وتفكيك طلاسم في الفلسفة في العلوم الاجتماعية، لقد عمد الاستاذ علي وطفه ان يقدم لنا علم الاجتماع الماركسي بدراسة مبسطة عن الفلسفه والاجتماع
هيئة التحرير

علم الاجتماع الماركسي: من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية

علي أسعد وطفة

” إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ إنهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظل ظروف قائمة بالفعل، ظروف ورثوها ونقلوها من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الميتة تثقل مثل جبال الألب على أدمغة الأحياء ” [1]/ كارل ماركس “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”

الحلقة الثالثة

3- علم الاجتماع الماركسي :

على الرغم من آلاف المجلدات التي دُبّجت حول علم الاجتماع الماركسي – نسبة إلى ماركس – فإن ماركس لم يشأ رفض التسمية الوضعية لعلم الاجتماع ” (ٍSociology) التي صاغها أوغست كون وذلك لارتباطها بالفلسفة الوضعية التبريرية التي روج لها الوضعيون والبنيويون ووظفوها كقوة أيديولوجية لتكريس التناقضات القائمة في قلب النظام الرأسمالي وتبريرها والمحافظة عليه[6]. وهو في هذا التوجه والموقف يؤكد جميع الاتجاهات الأيديولوجية البرجوازية الموظفة في خدمة النظام الرأسمالي، وقد آثر كما يرى عدد من المفكرين بأن يطلق على السوسيولوجيا “علم المجتمع (Social Science).

ومن الغرابة بمكان أن ماركس لم يخصص أي عمل تحت عنوان ” العلم الاجتماعي” أو أي صيغة أخرى مرادفة “لعلم الاجتماع ” أو “علم المجتمع” ولم يشر إلى هذا العلم في كتاباته التي اتخذت طابعاً فلسفياً أيديولوجياً اقتصادياً، ولذا فإن عدداً كبيراً من المفكرين ينظرون إليه بوصفه عالماً في الاقتصاد أكثر منه عالماً في الاجتماع.

ومع ذلك فإن زخماً هائلاً من الكتاب والمفكرين يرون بأن كارل ماركس أحد كبار آباء علم الاجتماع ومن أكثر رواده أهمية وخطورة. وفي ظل هذه التوجهات عمل أنصاره وتلامذته على بناء نظريته السوسيولوجية تأسيساً على أعماله المهمة التي قدمها في مجال الاقتصاد والفلسفة التي انضوت على نظرية سوسيولوجية صريحة في مجال المجتمع وقانونياته الأساسية. وقد أودعت أفكاره الاجتماعية في النظرية التي أطلق عليها المادية التاريخية. ومن الطرافة أيضاً أن ماركس نفسه لم يستخدم أبداً مفهوم “المادية التاريخية”، وهو الاستخدام الذي ورد في كتابات زميله المفكر الكبير وصديق العمر فريدريك انجلز وقد ظهر استخدامه لأول مرة في كتاب فريدريك إنجلز ” (Friederich Engels)[7] الاشتراكية: الطوباوية والعلمية” في عام 1880.

ومن المفيد في هذا السياق أن مقولات المادية التاريخية مستمدة من مختلف كتابات وأعمال ماركس، ولاسيما كتابه المهم “إسهام في نقد الاقتصاد السياسي” ((Contribution to the Critique of Political Economy)) الذي يعرض فيه كثيراً من مقولات المادية التاريخية أو هذه التي عرضت تحت عنوان المادية التاريخية “، ويبدو لنا أن أنصاره الماركسيين وضعوا أفكاره ونسقوها في كتب كثيرة تحت عنوان “المادية التاريخية” إشارة منهم إلى نظرية ماركس في المجتمع وقانونياته الأساسية. ويشار في هذا السياق إلى كتاب “المادية التاريخية” لماركس وإنجلز ولينين وهو كتاب يتكون من مجموعة كبيرة من المقالات والرسائل ومن المقاطع المختارة من مؤلفات ماركس وإنجلز ولينين قامت دار التقدم في موسكو بجمعها وترتيبها ترتيباً تاريخياً. وهذه المختارات تتناول قضايا المادية التاريخية وتعالج القوانين التي تتحكم بتطور المجتمعات ودور الثورات في هذا التطور، كما تتحدث عن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وارتباط …البناء التحتي بالبناء الفوقي وتأثير الواحد في الآخر، كما تعالج دور الفرد ودور الجماهير في عملية التاريخ[8]. وقد عمل أنصاره في هذا الكتاب على تحليل الوقائع بدقة علمية، ورصد الخطوط العامة للتطور وفقا لنظرية ماركس وإنجلز، ورصد معالم المستقبل على نحوٍ علميٍ قائمٍ على معطيات مادية ملموسة. ويتألف الكتاب من قسمين كبيرين: الأول يتضمن مختارات ماركس وإنجلز في المادية التاريخية، والثاني يتضمن مختارات لينين في هذا الموضوع [9]. ويتناول هذا الكتاب قضايا ومقولات حول المادية التاريخية، والمنهج التاريخي، والبنية الفوقية والبنية التحتية، وعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، والصراع الطبقي وفضل القيمة، والدولة، والثورة، ودكتاتورية البروليتاريا، والأشكال التاريخية لاجتماعية الناس، دور الجماهير الشعبية، ودور الشخصية في التاريخ، الجانب الروحي للعملية التاريخية – أشكال الوعي الاجتماعي، وخصائص تطور الوعي الاجتماعي، والأيديولوجيا السياسية، والوعي الحقوقي، والأخلاق، والفن، والفلسفة. وغير ذلك من المقولات التي حاول فيها كارل ماركس أن يستجلي الحقيقة الاجتماعية وأن يتفحص دلالتها في رؤى شمولية متكاملة. وقد صدر عدد هائل من الكتب والدراسات تحت عنوان ” المادية التاريخية ” التي تبحث في أفكار ماركس وإنجلز، وفي مختلف القضايا التي تتعلق بالتطور الاجتماعي، وبنظرية ماركس في الماديتين الجدلية والتاريخية. وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.

 ولا بد من القول في هذا المقام: بأن علم المجتمع الماركسي يشكل سعياً مستمراً ومتواصلاً للكشف عن القوانين والديناميات التي تحكم المجتمع الإنساني في ديناميات تطوره؛ سعياً للتنبؤ بحركة التغير وتحديد المسار الاجتماعي لتطور المجتمع، وما يقتضيه هذا الأمر من تدخل وتخطيط لتحقيق التوازن الاجتماعي الخلاق في مسار تجاوز مختلف التناقضات السلبية، وتحرير الإنسان والمجتمع من كل أشكال الاغتراب والاستلاب والقهر والتمييز الطبقي أو العنصري.

ويمكن الاستدلال على أهمية الحضور السوسيولوجي في فكر ماركس من خلال العناوين الأساسية لأعماله الفكرية الكبرى بدءاً بكتابه العبقري المشهور “رأس المال ” الذي نشر في ثلاثة مجلدات، وهو من أكثر الأعمال العبقرية في القرن التاسع عشر، ويعد كتاب رأس المال Le capital (1867)، من أبرز الأعمال التي قدمها للفكر الإنساني، وهو العمل الذي يشتمل على آرائه ونظرياته في الاقتصاد والاقتصاد السياسي ويغطي ديناميات التطور الاقتصادي للمجتمعات الصناعية. وهنا يمكن الإشارة إلى عددٍ كبيرٍ من أعماله من مثل: (نقد فلسفة الحق عند هيغل،1843 )، و(حول المسألة اليهودية، 1843)، و (أطروحات حول فيورباخ، 1845)، و (بؤس الفلسفة، 1847)، و (أجور العمل ورأس المال، 1847)، و (الصراعات الطبقية في فرنسا، 1850)، و(الثامن عشر من برومير لويس نابليون، 1852)، و ( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، 1859)، و ( نظريات فائض القيمة،3 مجلدات، 1862)، و (القيمة والسعر والربح، 1865)، و(الحرب الأهلية في فرنسا، 1871)، و( نقد برنامج غوتا، 1875)، و(ملاحظات حول فاغنر 1883)، و “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية، 1844)، و(المذابح البلجيكية، 1969) و(أطروحات حول ڤويرباخ، 1845). ومن الأعمال التي قام بها بالمشاركة مع إنجلز[10]: مخطوطات كارل ماركس الرياضية (1968) (الإيديولوجيا الألمانية، 1845)،[11] و (العائلة المقدسة، مع إنجلز، 1845)، و (بيان من الحزب الشيوعي، 1848)، و(الحرب الأهلية الأميركية، 1861). وهذه المؤلفات تلقي الضوء على الجوانب المعرفية والاجتماعية التي تنطوي على معظم أفكار ماركس الفلسفية والاجتماعية.

وباختصار يمكن القول: إن ماركس قد أسهم تاريخياً في صوغ علم المجتمع على نحو علمي، وجعل من البحث السوسيولوجي قوة معرفية تسعى إلى الكشف عن قانونيات التطور الاجتماعي التي يمكن أن تؤسس للتنبؤ بمختلف اتجاهات الحراك الاجتماعية، وأن ترسم حدود وأبعاد الظواهر الاجتماعية القائمة والمحتملة التي تتمثل في عمليات إنتاج وتوزيع الخيرات المادية في مختلف مراحل تطور المجتمع وفي سياق تفاعلاته الإنسانية. لقد حول ماركس هذا العلم المجتمعي إلى قوة معرفية تمكن الناس من الوعي بعوامل وجودهم وتحدد لهم مكانهم في عملية الإنتاج، وتساعدهم في عملية التحرر من كل أشكال الاستغلال والظلم الاجتماعي.

فالمجتمع وفق علم الاجتماع الماركسي يتحرك في عملية تطوره ونمائه وفق قوانين مستقلة عن وعيهم وإرادتهم ووعيهم، وهي قوانين تفرضها طبيعة الحياة الإنتاجية في المجتمع القائمة على التفاعل اللامحدود بين علاقات الإنتاج وقواه المادية التي يشكل البنية الاقتصادية التحتية للمجتمع، والتي على أساسها تتشكل البنى الفوقية المتمثلة في الوعي العام الجمالي والأخلاقي والحقوقي.

ويلاحظ في هذا المقام أن كثيراً من المفكرين يطابقون بين المادية التاريخية وما يطلق عليه علم الاجتماع الماركسي، ويرون أن هذا العلم (المادية التاريخية) يهدف في نهاية المطاف إلى تقديم المجتمع في صورته العلمية ودراسته وفق المنهجية الديالكتيكية التاريخية التي تنطلق من وصف الظاهرات الاجتماعية إلى التحليل العلمي له، وهو المنهج القائم على منهج التبصر والاستكشاف المنطقي في ضوء القوانين الجدلية الديالكتيكية. ويسعى هذا العلم إلى استنباط القوانين التاريخية المشتركة في مختلف المجتمعات في مراحل محددة من التطور التاريخي، كما يسعى هذا العلم أيضا إلى استكشاف القوانين الاجتماعية العامة التي تحكم التكوينات الاجتماعية ــ الاقتصادية الخاصة وتمييزها عن القوانين النوعية التي تحكم كل تكوين اقتصادي اجتماعي محدد تاريخياً

  • Social Links:

Leave a Reply