استنتاجات أولية من الحدث الروسي

استنتاجات أولية من الحدث الروسي

د. خالد نعمة

كما أنَّ (عشرة أيام هزت العالم)، حسبما جاء في كتاب (جون ريد)، فإنَّ أربعاً وعشرين ساعة كانت كافية لتهز أعمق أعماق روسيا، فهي قد أظهرت أنَّ تلك الدولة أضعف كثيراً مما تبدو للمطبلين لنظامها القائم، وأنَّ منظومتها الأمنية والعسكرية أوهى مما توحي به ترسانتها العسكرية والنووية.روسيا الاتحادية تأتي في المرتبة الثانية من حيث الجبروت الحربي وفق تصنيفات مراكز الأبحاث العسكرية، لكنَّ قوة من مرتزقة محترفين قوامها خمسة وعشرين ألف مقاتل، كانت قادرة على كشف ثغرة مهلكة في النظام الدفاعي الروسي، إذ قامت بالتحرك بكل حرية وبكامل عتادها العسكري على الطرقات السريعة الرابطة بين الشرق الأوكراني ومقاطعة العاصمة موسكو، دون أن تلقى مقاومة تذكر، لتقطع في نصف نهار أكثر من ثمانمئة كيلومتر، ولتسيطر على مدينتين مهمتين، وتصل إلى نقطة لا تبعد أكثر من مئتي كيلومتر عن قصر الكريملين، وبما جعل فرض حال الطوارئ ونشر تعزيزات من قوات الحماية في العاصمة الروسية أمراً لا مفر منه.خطورة الأمر أرغمت حاكم الكريملين على التراجع عما جاء في كلمته، التي خوَّن فيها زعيم جماعة فاغنر، ودفعته مضطراً إلى إسقاط الدعوى الجنائية المحركة ضده بعد إخراج سياسي للمسألة، تمثـَّـل في وساطة على أعلى المستويات من شخص الديكتاتور البيلاروسي لوكاشينكو.فهل كان بمقدور القوى العسكرية والأمنية الروسية أن تتصدى للتحرك الفاغنري بسهولة؟المعطيات والوقائع تقول بغير ذلك، فالتصدي لقوة مسلحة مثل فاغنر كانت تتطلب حشد ثلاثة أضعاف عديدها من جنود ومقاتلين بالمهارات العسكرية والخبرات القتالية ذاتها، التي يمتلكها عناصر فاغنر. ويعني هذا سحب قطعات بعينها من مناطق روسية كثيرة مترامية الأطراف وإخلاءها ممن يدافع عنها وقت الحاجة في بلد مساحته سبعة عشر مليون كيلومتر مربع، وهذا سيقود من سيء إلى أسوأ، والمقارنة هنا بين جيش من مليون وربع وجماعة مسلحة من عدة آلاف لن تفيد، وليست في مكانها إطلاقاً، فهذه الجماعة تعمل بأسلوب حرب العصابات، وأفرادها محترفون، ومعظمهم من أرباب السوابق، وهم لن يتورعوا عن فعل أي شيء إن فرض عليهم القتال، وهم سيقاتلون في المدن والحواضر المأهولة، بينما عساكر الجيش الروسي مجندون أغرار، لا خبرات قتالية حقيقية لديهم.الأمر الآخر، الذي ينبغي التوقف عنده، هو مقدار الدمار الحاصل والتكاليف البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المترتبة على الصدام، لو كان قد حصل، وكم هو عدد الضحايا الواجب تقديمه للقضاء على الفاغنريين عسكرياً ويالحل الأمني، إن كان القضاء عليهم ممكناً.الأمر الثالث، وهو الأمر الأكثر أهمية، هو إن تحرك فاغنر السريع وبمنتهى السهولة، قد أظهر أنَّ الشارعين المدني والعسكري ليسا تماماً ودون قيد أو شرط مع الطغمة الحاكمة في الكريملين، وصيحات التهليل من مدنيين متجمعين في روستوف والهتاف باسم فاغنر بينما عناصرها يستعدون للانسحاب من المدينة، لهو دليل لا يدحض على هذا الاستنتاج.تبقى مسألة أخيرة ينبغي عدم إغفالها، ألا وهي أنَّ تصريحات بريغوجين طباخ بوتين قد أسقطت مشروعية الحرب البوتينية العدوانية في أوكرانيا، فهو قد أعلن أنـَّـه لم يكن هناك مبرِّرات لها إطلاقاً، بل كانت دوافعها طموحات أفراد من أجل مجد شخصي، حتى لو كان ثمنها أرواح عشرات آلاف البشر وكل هذا الدمار الهائل.ختاماً، ما قبل عصيان فاغنر وتمردها، ليس كما بعده.وروسيا البوتينية، ليست تلك التي يحلو للبعض أن يتخيـَّـلها.

  • Social Links:

Leave a Reply