الخارق للواقع… حين ينكشف الظلام(3 من 4)

الخارق للواقع… حين ينكشف الظلام(3 من 4)

بقلم: ماجد مرشد

في السرد والتشكيل:يتفق معظم من نظروا للرواية على أنها عمل سرديّ نثريّ تخييلي، ذو طول محدد، «ينشأ عن فنّ السرد، الذي هو إنجاز اللغة في شريط محكيّ يعالج أحداثاً خيالية في زمان معيّن، وحيّز معيّن، تنهض بتمثيله شخصيات»(7)، يشكّلها المؤلف ويرسم ملامحها، ومن خلالها «يقدّم لنا أحداثاً تشبه أحداث حياتنا اليومية، ويحاول أن يضفي عليها مظهر الواقع بقدر ما يستطيع، مما يصل به إلى درجة الخداع، كما يقول “دانيال ديفو”، لكنّ ما يرويه الروائي لا يمكن التحقق من صحّته، ومن ثمّ ما يقوله يتّخذ مظهر الحقيقة فقط… وفي حين تعتمد الحكاية الحقيقية دائماً على وقائع خارجية واضحة، فإن الرواية تختلق الأحداث التي ترويها لنا ولا يمكن أن نطبّق عليها الوقائع الخارجية الفعلية، ولهذا فالرواية هي أفضل الأجناس الأدبية لدراسة كيفية تحوّل الواقع إلى خيال، وهي تعتبر بحقّ مختبر السرد الروائي للأحداث».(8). أما بما يختص بالسرد العجائبي، فيرى الدكتور “عبد القادر عواد”(9) أن سردية العجائبي تعدّ أحد أبرز الأشكال والصيغ المستحدثة حكائياً في تقديم نص الحكاية، والتعبير عن تجاوز تخوم الأطر التقليدية النمطية للحبكة السردية، ومن ثم تثوير المتخيل وتخصيب مظاهر الحكي داخل الأشكال الروائية المعاصرة عامة والعربية خاصة. وأن الأسلوب العجائبي اغتدى نمطاً تعبيرياً تجريبياً، تمّ اللجوء إليه كآلية سردية طافحة بسحر التخييل والغرابة، للتعبير اللا واقعي واللا مألوف عن الواقع ومعارضته دون إلغائه، وإنما صياغة البدائل في موازاته، وكأنه نوع من التشييد لعالم مفقود أو مأمول في الواقع المعيش.ويرى أيضاً، أن علاقة الصيغة العجائبية بالرواية العربية، وبالواقع المعبّر عنه داخلها، هي علاقة جدلية تجسد مظاهر الخصوصية في أصالتها ومرجعياتها الحكائية المتعددة، المستمدة من مخزون التراث الإنساني عموماً والعربي خصوصاً. غير أن البحث عن تبيّن وتحديد مقومات هذا العجائبي وإحالاته ومواطنه ومصادره وكيفيات اشتغاله وتوظيفه وآليات تشكيله في الخطاب السردي، ولا سيما ما يتصف به هذا النمط من تعدد في المفهوم وانفلات في التعريف، والتباس في الاصطلاح والدلالة والتداخل مع مفاهيم ومصطلحات أخرى… إن هذا البحث أسهم في إفراز الكثير من الغموض والتداخل والخلط على مستوى التلقي تنظيراً وإجراءً. ولعل هذا أحد أهم بواعث الانشغال بموضوع العجائبي في الرواية العربية.في حين ترى الدكتورة “بهاء بن نوار”، أن الرواية العربية المعاصرة عموماً قد وصلت، بعد مراحل كثيرة ومكابدات طويلة، إلى تبنّي سردية جديدة، تكسر الأطر الثابتة والمنطق السكوني الرتيب، «لتتجسّد بشكل حضور كتابيّ مختلف، متعدد الإيحاءات، لا نهائيّ القراءات، يستدعي كثيراً من التأويلات والتفسيرات، ويحفل ببعد انفتاحيّ عميق، يستثير دهشة المتلقي وفضوله، ويوقظ في ذهنه كثيراً من الأسئلة والإشكالات».(10)ولعل ظاهرة العجائبية غدت تشغل الحيز الأكبر من تلك الفضاءات والمضامين، في الرواية العربية المعاصرة، حيث لم يعد الروائي يكتفي بنقل مرجعيات الواقع الخارجيّ بشكل حرفيّ، ولا بمطابقة وصف شخوصه مع نسخ من شخوص الواقع، بما يعتمل في دواخلهم من نوازع الخير والشر، ولا بمطابقة أزمنة وأمكنة روايته مع أزمنة وأمكنة الحياة نفسها. لقد غدا الروائيّ مجنّح الخيال، جامح الإسهاب، ينقلب على الواقع بتصوير كل ما لا يمكن أن يقع فيه، من أحداث عجائبية مثيرة، وفسحات زمانية ومكانية غريبة، وشخوص لا تقل عن ذلك غرابة، بعضها محمّل بكثير من الطاقات والقدرات السحرية الخارقة، وبعضها الآخر مشوّها وممسوخاً للدلالة على الواقع بأقنعته الممعنة في البشاعة والثقل. ورغم أن تصويره خياليّ، لكنه واقعيّ أيضاً وممكن الحدوث.ومما لا شك فيه، أن سردية العجائبي «واحدة من أبرز الأشكال الجديدة للتعبير، والتي يتجاوز بها المبدع حدود الإطار التقليدي. وقد وصف العديد من الدارسين الرواية بأنها عبارة عن كتب عجائبية تتضمن قصص الحب والفروسية، أو هي عبارة عن حكايات تخييلية لمختلف المغامرات الخارقة أو الممكنة في حياة الناس… وللعجائبي في الرواية العربية استعمالات؛ فربما كان عنصراً من عناصر السرد في الرواية، للسخرية من الواقع، أو عبارة عن بنية كاملة تتحكم في النص كله».(11)أما الأساليب التي اقترنت بالتجريب والممارسة الحداثية في الرواية المعاصرة، فمن أهمها «أسلوب الأسطوري والعجائبي المرتبط بالغرابة والإثارة، وبفن الخيال الذي لا تحدّه حدود. وقد نبع هذا الأسلوب في الحكي من الحاجة إلى لغة مختلفة، تخرق عوالم اللا معقول، لأن الكتابة بلغة عجائبية أسطورية هي رؤية مغايرة للأشياء، متشبعة بروح المغامرة والغرابة، والتأرجح بين الواقع والتخييل».(12)وترى الدكتورة “أوريدة عبود”، أن توظيف العجائبي في الرواية المعاصرة يهدف إلى «إدخال القارئ إلى عوالم تخييلية غير مألوفة، تجعله يسهم في إنتاج النص المقروء من جهة، ويعبر عن واقع وصل إلى أقصى درجات اللا معقول والعجيب من جهة أخرى. وهكذا تم خلق فضاء عجائبي بإطلاق الخيال إلى أعلى درجاته، استفزازاً للقارئ والتأثير فيه».(13)وأما الأسطورة فتتخذ لديها (د. أوريدة) دلالة عميقة «عندما تتكثف اللغة، لتبعث معاني تكشف عن الهوية المتشظية وانعكاساتها في وعي المتلقي، وتكشف عن المشاهد المأسوية التي تبلورها الرواية، عبر جدلية الواقع واللا واقع، فيتجلى الرمز الأسطوري في بنية الرواية ليفاجئ المتلقي، ويأتي بالغريب العجيب، ليؤكد السارد بذلك على الطريقة الهمجية والمتوحشة، في خلق أجواء مأساوية مرعبة. ويقوم (الرمز الأسطوري) على الامتداد الزمني الذي يبلغ العصر الأسطوري، وينطوي على معرفة وحساسية، تترسب دلالته القصوى في قاع بنية مبتكرة تجاوز الأنموذج المألوف، ابتغاء الكشف عن القهر والاضطهاد والمحنة العصيبة التي نعيشها».(14)(يتبع)الإحالات:7- د. عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، المجلس الوطني للثقافة، الكويت- كانون الأول 1998، ص56.8- مالكوم براديري، الرواية اليوم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة أحمد عمر شاهين 1996، ص43-44.9- “العجائبي في الرواية العربية المعاصرة.. آليات السرد والتشكيل”، أطروحة مقدمة لنيل درجة دكتوراه في الأدب العربي باختصاص النقد المعاصر، إعداد الطالب عبد القادر عواد، إشراف الأستاذ الدكتور عبد القادر شرشار، جامعة وهران- الجزائر، السنة الجامعية 2011- 2012، المقدمة.10- “العجائبية في الرواية العربية المعاصرة مقاربة موضوعاتية تحليلية”، أطروحة مقدمة لنيل درجة دكتوراه في الأدب العربي، إعداد الطالبة بهاء بن نوار، إشراف الأستاذ الدكتور الطيب بودربالة، جامعة الحاج لخضر- باتنة- الجزائر، السنة الجامعية 2012- 2013، ص3.11- “العجائبي في الرواية الجزائرية المعاصرة.. رواية نصف وجهي المحروق نموذجاً”، أطروحة مكملة لنيل شهادة الماستر في الأدب العربي، إعداد الطالبة الياقوت بن سيدهم، بإشراف الأستاذ الدكتور عثمان مقيرش، جامعة محمد بوضياف- المسيلة- الجزائر، السنة الجامعية 2014- 2015، ص18.12- تزفيتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، دار الكلام، ط1، الربـاط 1993، ص5.13- د. أوريدة عبود، توظيف الأسطورة في الرواية الجزائرية المعاصرة، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية- العام الثالث- العدد 19مايو 2016.14- الإحالة السابقة، د. أوريدة عبود.15- جويل مالريو، إحالة سابقة.

  • Social Links:

Leave a Reply