هيفاء الحاج حسين

في العلاقة بين الإنسان والمادة التي تخدمه تحدث تأثيراتٌ متبادلة بلا شك رغم أنها علاقةٌ بين كائن حيٍّ وكائنٍ جامد، ولكن! ألا يلمس واحدنا الفرق بين إحساسه بالخيط القطني أو الصوفيّ أو الحريريّ على جسده عن إحساسه بخيط النايلون والبوليستر؟
إنها العادة تجعلنا نألف حتى البشاعة فيصير التمييز بين البشع والأبشع لا بين الجميل والأجمل، بين القاسي والأشد قسوة لا بين الليّن والأشد ليونة أو الإنساني والأكثر إنسانية، ومنذ عمرت الأرض بنوعنا والجسم البشريّ يتعرض لكثيرٍ من أشكال الانتهاك على يديّ بني جنسه من أسْرٍ وضربٍ وقتلٍ واغتصابٍ وابتزازٍ عاطفيٍّ وجنسيّ الخ… حتى اعتادت أجسامنا وتكيّفت، وما النايلون سوى عدوٌ جديدٌ متوفرٌ دوماً وبتكلفةٍ زهيدة أجهز على ما تبقى من فطرتنا السليمة.
منذ استبدلنا كراسي الخشب “المقشّشة” بكراسي البلاستيك تحوّلت العلاقات أيضاً إلى بلاستيك، فكرسي الخشب يكبر معنا ويشيخ معنا وفي وقتٍ ما يتفتت ويتحلل بالتراب مثلنا، أما البلاستيك فيعيش أضعاف أعمارنا، يتراكم ويتكوّم كنفاياتٍ مؤذية قد يأتي يومٌ يغمر فيها الأرض وما عليها ولا يغرّننا لمعانه إذ كثيراً ما يتخفى الشرّ خلف اللمعة بينما يكنز وجه الخشب الناشف الكثير من الخير والحياة في فجاجته.
ومن الطبيعي أنّ كل شيء يكمّل بعضه كحضارة الإسمنت التي قدمت لنا خدمة هذه الشبكة المعلوماتية الهائلة بامتدادها والتي حوّلت المعلومة إلى سلعةٍ استهلاكية استنزفت عقولنا وخلطت الصالح بالطالح وأمسينا أسرى ضجيجٍ لا يتوقف عن الهدير.
أشتاق لصبحية نميمةٍ بيضاء في فسحة دارٍ عربية على كراسي خشبٍ مهترئة ما تزال تحتفظ بالحمض النووي لجيلٍ من الآباء والمحبين وروائحهم، أتشارك فيها القهوة والانفعالات مع جيراني وأحبتي، والسؤال اليوميّ المحيّر:
ماذا نعدّ اليوم لوجبة الغداء؟
Social Links: