فاطمة سليمان محمد

“في هدوء الصباح، حيث يضيء الفجر بحذر على الزمان والمكان، أجد نفسي أكتب في صمت. لا أكتب هنا كي أملّ القارئ، ولا لأحثه على التوقف. لا أكتب لأجعله يغرق في بحر كلماتي، بل لأنني أحتاج إلى أن أترك في كل يوم شيئًا من نفسي، بصمة غير مرئية على جدران الزمن. كل حرف هنا هو خطوة نحو اللامرئي، مسار ضبابي من الأفكار التي لا أتمكن من الإمساك بها، لكنني أكتبها لعلها تجد طريقها إلى الزمان، وتظل هناك، بين الذاكرة والحقيقة، في مكان لا يراه سواي. لست هنا لأثقل عليكم بالكلمات، بل لتبقى تلك اللحظات التي أعيشها مع كل حرف، مسجّلة في مكان غير قابل للنسيان، في ضوء الفجر”
ـــــــــــــــــــــــــ
أجلس في غرفتي في إسطنبول، وفي يدي القلم الذي ينتظر فكرة تلوح في الأفق. الليل، كما اعتدت، يكتنفني في صمتٍ ثقيل، تسيطر عليه ظلال الذكريات التي تسللت في الوقت الذي بين لحظةٍ وأخرى. نافذتي تفتح على الظلام، وكأن الزمان قد قرر أن يُلقي بظلاله على كل شيء، يبعثر أفكاري ويشوش استقراري. المكان حولي بارد، كما لو أن كل شيء في هذا العالم قد تراجع إلى مكان بعيد، فهل هذه هي نهاية الطريق أم مجرد استراحة؟
الفجر، دائمًا هناك، في الأفق البعيد، لكنه لا يبدو كما هو. أقول في نفسي: هل ستعود تلك الأيام التي كنت أرى فيها الفجر في شوارع أخرى؟ أما زال الأمل يعبر هناك، حيث يذهب كل صباح؟ أم أننا ننتظر نفس الشيء في أماكن لا تشبهنا؟ الطيور ربما، ترحل في دروبها التي لا تنتهي، تأخذها الرياح بلا وجهة، تلتقطها الأيام، إلى أين؟ هل يصح أن نتساءل في هذا الوقت عن الجواب؟
إسطنبول. كانت مجرد مكان. واليوم، أصبحت مثل نقطة في خريطة تتغير مع حركة الرياح. أغمض عيني وأتذكر، هل كانت هناك أيام أكثر وضوحًا؟ أم أن الذاكرة تمزج بين الحقيقة والحلم، تختلط الطرق والأزقة كما تلتف الأسئلة في رأسي؟ في كل زاوية، أرى شيئًا، ولكني لا أستطيع لمسه. أسأل نفسي، هل أنا هنا حقًا؟ أم أنني في مكان آخر، بعيد عن الزمن؟
وفي حين يتساقط الضوء على الأرض، أفكر، هل سيأتي يوم أعود فيه إلى حيث أتيت؟ من أين أتيت؟ أم أن العودة هي فقط حلم يتجسد في كل لحظة شوق؟ أتنقل بين الماضي والمستقبل في دائرة لا تكاد تنتهي. ألم يكن الجميع يقولون أن المكان هو الذي يحدد مصيرنا؟ ولكن ماذا لو لم يكن المكان هو ما نحتاجه، بل فقط لحظة واحدة تكشف عن الطريق المغلق؟ هي فكرة تحتاج إلى صمت طويل ليفهمها من تعمق.
لا أستطيع أن أرى الأشياء بوضوح، كأنني ضائعة بين لحظات لا أستطيع الإمساك بها، وكأنني على حافة العودة، دون أن أعرف إذا كنت أعود إلى شيء أو أهرب من شيء آخر. الحنين يختلط مع الخوف، وبينما أكتب هذه الكلمات، أحاول أن أحتفظ بشيء من اليقين، لكن هل هناك يقين حقيقي في هذا المكان؟
كلما حاولت أن أرى هذا المجهول الذي أمامي، تزداد الظلال كثافة، ويظل الطريق الذي كنت أظنه مستقيماً يشير إلى أماكن بعيدة، غامضة، ربما كان ضوء الفجر هو الذي يحتاج إلى هذا الانتظار الطويل، وربما كنت أنا من يحتاجه أكثر
وفي النهاية، ربما لا تكون الإجابة في المكان، بل في كل لحظة تنتظر أن تجد نفسها بين ضوء الفجر والظلال.
وفي هذا الصمت، بين الحروف والظلال، تكمن الحقيقة التي لا تُقال.
Social Links: