الخصخصة في سوريا سياسة فاشلة في ظل فوضى اقتصادية واجتماعية

الخصخصة في سوريا سياسة فاشلة في ظل فوضى اقتصادية واجتماعية

محمد الشرع

في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بسوريا، تظهر سياسة الخصخصة كواحدة من أكثر القرارات الاقتصادية إثارة للجدل والتي تسعى الحكومة المؤقتة لها كحل سحري لإصلاح الاقتصاد المنهك، مع ذلك فإن تطبيق هذه السياسة في بلد يعاني من تداعيات حرب طويلة وفساد ممنهج يثير العديد من التساؤلات النقدية حول جدواها وتأثيراتها على المجتمع. وهذا النقد يسلط الضوء على الفشل الذريع لهذه السياسة في تحقيق أي فوائد حقيقية، بل إنها تزيد من تعميق الأزمات القائمة.

  • قراءة الحالة الاقتصادية قبل الخصخصة
    كان الاقتصاد السوري قبل الخصخصة يعتمد بشكل كبير على القطاع العام، الذي كان يعاني من فساد إداري و بيروقراطية مفرطة ادت الى خسارة تريليونات الليرات حتى ماقبل 2011 ومع ذلك، فإن الاعتماد على القطاع الخاص كحل سحري يتجاهل حقيقة أن الفساد ليس حكراً على القطاع العام، بل يمكن أن ينتقل إلى القطاع الخاص في ظل غياب الشفافية والرقابة والتي بسببها تشكلت العديد من الامبراطوريات المالية التي تغذت على الفساد والمحسوبيات .

دوافع الخصخصة في سوريا
الازمات الاقتصادية الحادة والمتتالية ادت الى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي من 67 مليار دولار في 2011 إلى 23 مليار دولار في 2022. ومعاناة القطاع العام من الفساد والبيروقراطية جعله عبئًا على الخزينة العامة. حيث ان الحكومة تخطط لخصخصة 107 شركة حكومية، معظمها خاسرة، مع الإبقاء على الأصول الاستراتيجية مثل الطاقة والنقل تحت سيطرة الدولة.

الآليات المقترحة للخصخصة
تتضمن الخصخصة في سوريا بيع أصول الدولة إلى القطاع الخاص أو إدخال شراكات بين القطاعين العام والخاص. ويتم التركيز على قطاعات مثل الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، مع دعوة الاستثمار الأجنبي لتعزيز التجارة الدولية. كما تدرس الحكومة خصخصة مصانع النفط والقطن والأثاث.

الخصخصة سياسة متسرعة وغير مدروسة

  1. تسريح الموظفين دون بدائل: تم تسريح آلاف الموظفين في القطاع العام دون وجود خطط بديلة لتوفير فرص عمل أو دعم اجتماعي. هذا الإجراء المتسرع يهدد بزيادة معدلات الفقر والبطالة، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية .
  2. غياب الشفافية: أعلنت الحكومة عن خطط لخصخصة 107 شركات حكومية، لكنها لم توضح معايير اختيار هذه الشركات أو كيفية تحديد قيمتها. هذا الغموض يفتح الباب أمام الفساد والمحسوبيات، مما يجعل الخصخصة أداة لإثراء النخب على حساب المصلحة العامة.
  3. إهمال الأصول الاستراتيجية: تم الإبقاء على الأصول الاستراتيجية مثل الطاقة والنقل تحت سيطرة الدولة، فإن خصخصة الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة قد يؤدي إلى تدهور جودتها وارتفاع تكلفتها، مما يزيد من الأعباء على المواطنين .
    الآثار الاجتماعية للخصخصة
  4. تفاقم الفقر: يعتمد مئات الآلاف من الأسر السورية على القطاع العام كمصدر رزق رئيسي. تسريح الموظفين دون توفير بدائل قد يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر، خاصة في ظل غياب نظام دعم اجتماعي فعال .
  5. تفاوت اجتماعي أكبر: قد تؤدي الخصخصة إلى استحواذ النخب المالية والفاسدة على الأصول العامة، مما يعمق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية .
  6. تأثيرات سلبية على الخدمات العامة: الاعتماد الكامل على القطاع الخاص في تقديم الخدمات قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، مما يزيد من الأعباء على المواطنين الذين يعانون أصلاً من ضعف القدرة الشرائية . الآثار السياسية للخصخصة
  7. تحديات الشرعية: تواجه الحكومة المؤقتة انتقادات بسبب سرعة إجراءات الخصخصة واتساع نطاقها، مما يثير تساؤلات حول شرعية هذه الحكومة وقدرتها على إدارة هذه التحولات بشكل عادل والجدير بالذكر ماجرى في مؤتمر باريس على لسان ماكرون حيث شدد على ضرورة وجود حكومة تعددية من كل اطياف السوريين للاعتراف بها.
  8. الفساد والمحسوبيات: في ظل غياب الشفافية والرقابة، قد تصبح الخصخصة أداة لإثراء فئة صغيرة على حساب المصلحة العامة .
  9. الاستقرار الاجتماعي قد تؤدي الخصخصة إلى احتجاجات اجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وعدم صرف رواتب الموظفين المسرحين وهذا ماظهر مؤخرا من خلال اعتصام الاف العمال المسرحين امام نقابات العمال في مختلف المحافظات.
    الآثار الاقتصادية للخصخصة
  10. تحسين الكفاءة أم زيادة الأرباح؟: بينما يُفترض أن تؤدي الخصخصة إلى تحسين كفاءة الشركات الحكومية الخاسرة، فإن الهدف الحقيقي قد يكون زيادة أرباح المستثمرين على حساب جودة الخدمات المقدمة للمواطنين .
  11. جذب الاستثمارات أم الهروب من المسؤولية؟: قد تجذب الخصخصة استثمارات أجنبية ومحلية، لكنها قد تكون أيضاً وسيلة للهروب من مسؤولية إصلاح القطاع العام وتحسين أدائه .
  12. تحديات التمويل: يعاني الاقتصاد السوري من نقص في التمويل بسبب العقوبات الدولية، مما قد يعيق نجاح عمليات الخصخصة ويجعلها غير قابلة للاستمرار .
    الدروس المستفادة من التجارب العالمية
    تشير تجارب دول مثل سنغافورة وماليزيا إلى نجاح الخصخصة المدروسة، حيث تم تحويل شركات القطاع العام إلى كيانات مربحة عبر إعادة الهيكلة وتعزيز الشفافية. في المقابل، أدت الخصخصة العشوائية في روسيا خلال التسعينيات إلى نهب الثروات وزيادة الفقر. توصيات لنجاح الخصخصة في سوريا
  13. إصلاح البيئة القانونية: توفير قوانين تضمن الشفافية والمنافسة العادلة.
  14. مكافحة الفساد: ضمان أن تكون عمليات الخصخصة واضحة وتخدم المصلحة العامة.
  15. حماية العمالة: تقديم تعويضات أو إعانات اجتماعية للموظفين المسرحين.
  16. الشراكات المدروسة: اعتماد نموذج الخصخصة الجزئية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
  • تعد الخصخصة أداة ذات حدين في سوريا، حيث يمكن أن تسهم في إنعاش الاقتصاد من خلال تحسين الكفاءة وجذب الاستثمارات، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية إذا لم تُنفذ بشكل مدروس وشفاف. يتطلب نجاح هذه السياسة إطاراً قانونياً قوياً ومشاركة فعالة من المجتمع المدني لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
    في النهاية يجب أن تكون الخصخصة جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة الإعمار والتنمية، تأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة بسوريا وتجارب الدول الأخرى في هذا المجال.

  • Social Links:

Leave a Reply