بقلم : فاطمة محمد
هناك، حيث تُشرق الشمس على أطراف الأرض، تبدأ الحكاية. ليست الحكاية عن الجغرافيا ولا عن الخرائط التي تُقسّم السماء وتُجزّئ التراب، بل عن شعورٍ لا يُرى، لكنه يُحس. الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، إنه ذلك النبض الخفي الذي يسكن القلوب ويُشعل الأرواح. إنه حكايةٌ تُكتب بأقدام العابرين على أرضه، وبأنفاس الصامدين تحت سمائه.
الوطن يتكلم، لكن ليس كل من يعيش فيه يسمعه. فهو لا ينطق بالكلمات، بل بالروح. نطقه يأتي مع شروق الشمس حين تستفيق الأرض، مع صوت الرياح التي تمسح غبار الأحزان، ومع ظل الشجر الذي يروي حكايات من مرّوا وزرعوا ورحلوا. من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، الوطن واحد، لكن وجوهه كثيرة.
في دقات قلب كل عاشق للأرض، يختبئ وطنه، حيث الصحراء تصادق السماء، وحيث الليل يحمل في صمته أنين الحكايات، تلمح روحًا تشبه الأبجدية الأولى للإنسان. هناك، يعيش الناس ليس بالكلام، بل بالصبر. كل حجر في تلك القرى هو شاهدٌ على صراع الإرادة مع القدر، على محبةٍ لا تُقاس بالكلمات.
الوطن ليس مجرد ذاكرة، لكنه وعدٌ للأجيال القادمة. هو الذي يعلّمك أن تكون أقوى من الظروف، أن تفهم أن الصعاب هي جزء من الطريق، وأن الحزن أحيانًا هو المعلم الأول للحكمة. الوطن يقول لك: لا تنتظر أن يكون كل شيء مثاليًا، بل اجعل ما تملك مثاليًا.
كل ذرة في هذا المكان تنبض بحكاية. هذه الأرض، بين الفرات ودجلة، أو على أطرافه. ليست مجرد تراب. إنها مكتبةُ أسرار، كتبت صفحاتها بالدموع والعرق، بالحروب والسلام، بالأمل واليأس. ومع ذلك، هي لا تعرف الاستسلام.
لكن الوطن أيضًا اختبارٌ دائم. هو الذي يجعلك تقف كل يوم وتسأل: هل أنا على قدر الأمانة؟ هل أستحق هذا التراب الذي مشى عليه أجدادي، وحمله صبر أمهاتي؟ إنه مسؤولية، ليس فقط أن نحميه، بل أن نفهمه، أن نقرأه كما نقرأ كتابًا مقدسًا، أن نصبح جزءًا من رسالته، لا مجرد عابرين فيه.
وحين تنظر من الشرق حيث تشرق الأحلام، إلى الغرب حيث تنام الشمس، تدرك أن الوطن ليس خطوطًا تُرسم على الخرائط. بل هو ذلك الشعور الذي يجمع أبناءه رغم اختلافهم، هو تلك الأرض التي تعطي دون أن تنتظر، وتُحب دون شروط.
فلنكن على قدر هذا الحب. لنحمل الوطن في قلوبنا كما يحمله النهر بين ضفافه. لأن الوطن لا يموت، لكنه ينتظر منا أن نعيده للحياة، أن نجعل من حكاياته أسطورةً تُحكى للأجيال القادمة. أن نكون نحن الجسر بين ماضيه ومستقبله.

Social Links: