التغيير في السياسة الأميركية: من الهيمنة إلى الشراكة المشروطة

التغيير في السياسة الأميركية: من الهيمنة إلى الشراكة المشروطة

مطيع اتاسي


شهد العالم تحولات جذرية في بنية النظام الدولي منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث بدأت الولايات المتحدة بالتراجع عن موقعها كقوة مهيمنة أحادية القطب. يمكن تتبع ملامح هذا التحول منذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، مروراً بتصاعد الصين إلى المرتبة الثانية عالمياً اقتصادياً، ووصولاً إلى الإرهاق الاقتصادي والعسكري الذي رافق الدور القيادي العالمي الذي اضطلعت به واشنطن بعد الحرب الباردة.
بات واضحاً أن إدارة العالم أصبحت عبئاً مكلفاً على الاقتصاد الأميركي، مما دفع واشنطن إلى إعادة النظر في التزاماتها، والانتقال من سياسة الأحادية القطبية إلى البحث عن شراكات استراتيجية وشبكات تحالفات بشروط أميركية. ضمن هذا الإطار، بدأت الولايات المتحدة بالتخلي التدريجي عن اتفاقيات بريتون وودز التي كانت قد رسّخت التزامها بحماية الملاحة البحرية والنظام المالي العالمي، كما انسحبت من عدد من المعاهدات والمؤسسات الدولية، وأعادت تعريف دورها بوصفها شريكاً لا قائداً أوحد.
الشرق الأوسط: مشروع تمكين إسرائيل وإعادة ترتيب الإقليم
ضمن هذا التحول العالمي، شهدت مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط تحولاً استراتيجياً، لا سيما في عهد إدارة ترامب التي تبنت رؤية إسرائيلية خالصة تجاه المنطقة. منذ ولايته الأولى، شرع ترامب في تفكيك الشيفرة الجيوسياسية للشرق الأوسط من زاوية إسرائيلية، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومروراً بتوقيع مرسوم بضم الجولان السوري المحتل، ووصولاً إلى جمع عدد من الدول العربية حول طاولة المفاوضات ضمن اتفاقيات إبراهام.
لم تكن هذه المبادرات مجرد سياسات دبلوماسية، بل مثلت نقطة انطلاق لمشروع أوسع لتحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية مستقلة لا تعتمد كلياً على المظلة الأمنية الأميركية. هذا ما عبّر عنه وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بقوله: “نعمل من أجل إسرائيل لـ75 سنة قادمة”. أما بنيامين نتنياهو، فصرّح بوضوح أن هدفهم هو إعادة رسم خرائط المنطقة، عبر عمليات نوعية تستهدف حزب الله، واغتيال حسن نصر الله، وإخراج بشار الأسد من الحكم، وتفكيك الجيش السوري.
نتيجة لهذه الاستراتيجية، دخلت سوريا مرحلة جديدة من التفكك، حيث باتت مختلف مكوناتها تسعى إلى حماية إسرائيلية، خشية من بعضها البعض. في المقابل، تواصل إسرائيل مشروعها لإضعاف حركة حماس وربما إخراجها من السلطة نهائياً، ضمن سياسة إقليمية تهدف إلى تقويض أي تهديد مستقبلي وتعزيز هيمنتها كقوة استقرار (بحسب تعريفها).
المواجهة الأميركية الروسية: إعادة رسم خطوط الحرب الباردة
بالتوازي مع إعادة تموضعها في الشرق الأوسط، تعمل الولايات المتحدة اليوم على صياغة تفاهمات جديدة مع روسيا، تحاول من خلالها فصل موسكو عن بكين، حتى لو جاء ذلك على حساب تحالفاتها التقليدية مع الدول الأوروبية. تشير المعطيات إلى وجود مفاوضات بين واشنطن وموسكو، لكن الروس يدركون هذا المسعى ويرفعون سقف مطالبهم، مما يدفع واشنطن إلى ممارسة الضغط العسكري عبر وكلائها، كما فعلت أوكرانيا حين استهدفت جزءاً من الأسطول الاستراتيجي الروسي.
هذه المعركة الباردة الجديدة لا تزال في بدايتها، وتبدو فيها واشنطن مستعدة لتقديم تنازلات مؤقتة إذا حققت مكاسب استراتيجية في المدى الطويل، خصوصاً ما يتعلق بكبح الطموح الصيني، وهو ما يقود إلى الملف التالي.
الصين: الخصم الصامت في منتصف لعبة القوى
حاولت إدارة بايدن الدفع بالصين نحو صراع مكلف من خلال تشجيعها على مهاجمة تايوان، لكن بكين حتى الآن ترفض الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تدمر اقتصادها وتخل بتوازنها الداخلي. الصين تلعب اللعبة الأميركية بهدوء وثبات، وتدرك أن لحظة الحسم لم تأت بعد. في الوقت نفسه، تحرص على تعزيز نفوذها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية دون استفزاز مباشر.
الولايات المتحدة، من جانبها، لا تسعى إلى كسر الصين بقدر ما تريد منعها من أن تتحول إلى قطب موازٍ على مستوى القرار العالمي. لذلك، فإن واشنطن تعيد تعريف موقعها العالمي ليس كقوة مهيمنة، بل كقطب أساسي ضمن عالم متعدد الأقطاب، شرط أن تحافظ على مصالحها الحيوية وشبكة تحالفاتها، وأن تضمن استمرار هيمنتها على مفاصل الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا المتقدمة.
الخلاصة
ما نشهده اليوم ليس مجرد تحول في السياسات الأميركية، بل إعادة صياغة لدورها في العالم. تتجه واشنطن إلى الخروج من عباءة الهيمنة الشاملة إلى نموذج جديد يقوم على الشراكة المشروطة، والحفاظ على تفوقها النوعي من خلال إعادة ترتيب التحالفات، وتفكيك خصومها، وتحويل أعدائها السابقين إلى شركاء وظيفيين في النظام العالمي الجديد. هذه التحولات تُعيد رسم خريطة العالم على كافة المستويات: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
وفي خضم هذه التغيرات، تظهر قضايا مثل أمن إسرائيل، تفكك النظام العربي، صعود الصين، وتحييد روسيا، كعناوين رئيسية في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية
قد لا يكون هذا عالماً أكثر عدلاً، لكنه بالتأكيد عالم أكثر تعقيداً.

  • Social Links:

Leave a Reply