القبيلة والدولة الضائعة.

القبيلة والدولة الضائعة.

زكريا_نمر

القبيلة لا تبني الدولة، فهي وإن كانت مظلة اجتماعية تحفظ الفرد من برد العزلة وتمنحه شعور الانتماء، إلا أنها حين تتجاوز حدودها لتتحول إلى سلطة، تصبح عبئا على فكرة الدولة نفسها. فالقبيلة حين ترفع رايتها فوق راية الوطن، ينكمش العقل وتتسع مساحة التعصب، ويغدو الدم مقياسًا للحق، لا الكفاءة أو العدالة.

في المجتمعات التي لم تكتمل فيها فكرة الدولة الحديثة بعد، تتحول القبيلة من كيان اجتماعي إلى أداة للهيمنة، ومن رابطة إنسانية إلى جدار يفصل المواطن عن مواطنته.وتكمن الكارثة الكبرى أن الولاء للقبيلة يصبح أقوى من الولاء للوطن، وأن السلطة تتحول إلى غنيمة توزع بالقرابة لا بالاستحقاق. تظهر تجربة جنوب السودان بجلاء كيف مزقت الولاءات القبلية نسيج الدولة الوليدة. لم تكن المشكلة في التعدد، فالتنوع في حد ذاته ثروة، بل في أن النخبة الحاكمة حولت الانتماء القبلي إلى سلاح سياسي، فباتت المناصب توزع حسب القبيلة، لا وفق الكفاءة أو الرؤية الوطنية. انهارت المؤسسات، وتراجع القانون، واستبدلت الدولة الحديثة بشبكة من الولاءات الضيقة، كل واحدة منها تحرس حدود مصالحها وتنتظر لحظة الانتقام.

إن الحرب التي تخاض باسم القبيلة ليست سوى دليل على فقر العقل وضيق الأفق، فهي لا تنتصر لأحد، بل تقتل الجميع ببطء. حين يحمل الإنسان السلاح دفاعا عن قبيلته، فإنه لا يدافع عن كرامة، بل عن فكرة ميتة. لا يوجد ما هو أكثر بؤسا من أن يقتل المرء أخاه لأن نسبه لا يلتقي معه في الجد الثالث أو الرابع. تلك الحروب لا تصنع مجدا ولا تحفظ أرضا، بل تترك وراءها أجيالا مشوهة بالدم والكراهية. الامثلة الواقعية كثيرة. في نيجيريا يستمر الصراع بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي تحت غطاء ديني، لكنه في جوهره قبلي وعرقي. في الصومال حلت العشيرة محل الدولة حتى صارت الحكومة المركزية مجرد اسم على الورق. وفي ليبيا بعد سقوط النظام، تفتت البلد بين القبائل والمناطق، وكل منها يحمل رايته الخاصة وكأن الوطن قطعة قماش يمكن اقتسامها.

الاعتماد على القبيلة في بناء الدولة يشبه محاولة تشييد بيت من الطين وسط العاصفة. لا القبيلة تملك أدوات التخطيط، ولا روحها المغلقة تصلح لقيادة مجتمع متنوع ومعقد. الدولة الحديثة لا تُبنى بالعاطفة، بل بالمؤسسات، بالقانون، بالمواطنة المتساوية. الدولة التي تبنى على الولاءات القبلية تولد مشوهة، تعيش في حالة دائمة من الانقسام، وتفقد قدرتها على أن تكون مرجعا جامعا للجميع. لكن لا أحد يدعو إلى محو القبيلة أو إنكار دورها الاجتماعي. القبيلة جزء من الذاكرة الثقافية، من المرويات الشفاهية، من القيم التي تحفظ التماسك الإنساني. إنما الخطر يبدأ حين تتضخم هذه الهوية لتبتلع كل ما حولها، فتتحول من موروث ثقافي إلى أداة إقصاء. ما نحتاجه ليس إلغاء القبيلة، بل إعادة وضعها في حجمها الطبيعي: كجذر ثقافي لا كمنصة حكم.

لقد نجحت دول خرجت من جحيم الانقسامات، مثل رواندا، حين تخلت عن لغة القبيلة لصالح لغة الوطن. بعد الإبادة الجماعية عام 1994، أعادت رواندا بناء نفسها على فكرة المواطنة، لا على الهويات الضيقة. لم يكن الطريق سهلاً، لكنه كان ممكنًا لأن الدولة قررت أن تكون فوق الولاءات الجزئية. المشكلة في عالمنا أن كثيرين لا يزالون يظنون أن الدولة يمكن أن تبنى بالانتماء الدموي، متناسين أن الدم لا يصنع القانون، وأن العصبية لا تنتج عدالة. الدولة فكرة عقلية، تقوم على المساواة والحقوق والمسؤوليات، لا على الروابط القديمة التي كانت تصلح لمرحلة ما قبل المدنية.

القبيلة إذا ليست عدوا، لكنها حين تتجاوز مكانها الطبيعي، تصبح رمزا للتخلف السياسي والاجتماعي. أن تحارب باسمها يعني أنك ترفض التفكير، وأنك لم تدرك بعد أن العالم تجاوز هذه الدائرة منذ قرون. الوطن لا يُبنى بالعاطفة الجهوية ولا بالميراث القبلي، بل بالوعي الجماعي، بالقدرة على التعايش، بالإيمان بأن المواطنة هي الرابط الأسمى بين الناس.أخطر ما في الأمر أن بعض القادة يدركون هذا جيدا، ومع ذلك يوظفون القبيلة كسلاح للبقاء في السلطة، يزرعون الانقسام ليحصدوا الولاء. وهكذا تتحول الدولة إلى كيان هش، غارق في المحسوبية، ينهشه الفساد من الداخل، بينما ينهار احترام القانون، وتضيع فكرة العدالة عندما نفكر في المستقبل، يجب أن نفكر في دولة المواطن، لا دولة القبيلة. الدولة التي تحكمها الكفاءة لا القرابة، القانون لا الولاء، العقل لا العاطفة. فبغير ذلك، سنظل ندور في الحلقة ذاتها جيل يزرع الانقسام، وآخر يحصد الخراب.

القبيلة يمكن أن تبقى كذاكرة، كهوية اجتماعية تمنح الناس دفء الانتماء، لكنها لا تصنع الحاضر ولا تبني المستقبل. الدولة الحديثة لا تحتاج إلى رابطة دم، بل إلى عقد اجتماعي حر يربط الناس بالقانون. حين يصل الوعي إلى هذا المستوى، يصبح واضحًا أن القبيلة ليست قدرًا، بل مرحلة يمكن تجاوزها، وأن الوطن لا يُحفظ بالدم، بل يُبنى بالعدالة والمساواة والرؤية.

  • Social Links:

Leave a Reply