سوريا بين الدولة والتطرّف: من يحكم فعليًا؟د

سوريا بين الدولة والتطرّف: من يحكم فعليًا؟د

د سلامة درويش

امين عام حزب اليسار الديموقراطي السوري

لم تكن جريمة تدمر حادثًا أمنيًا عابرًا، بل صفعة قاسية تكشف حقيقة يجري التستّر عليها: فكر «داعش» لم يُهزم، بل أعاد التسلّل إلى مفاصل السلطة نفسها. أن يكون منفّذ الجريمة متشبّعًا بعقيدة داعشية، وفي الوقت ذاته منتسبًا إلى أجهزة السلطة، فهذا ليس خللًا فرديًا، بل دليل صارخ على اختراق أيديولوجي خطير يهدّد ما تبقّى من فكرة الدولة.

المسألة لم تعد تتعلّق بخطابات رسمية عن الاعتدال أو وعود بالديمقراطية، بل بطبيعة القوى التي تمسك بالسلطة على الأرض. فالتطرّف اليوم شريك فعلي في الحكم، ولو ارتدى أقنعة سياسية ناعمة. والنتيجة سلطة تعيد إنتاج منطق الإقصاء، ولكن بلغة دينية أكثر فتكًا من الاستبداد السابق.

الأشد خطورة هو ما أصاب المؤسسة العسكرية. فالجيش الذي يُفترض أن يكون رمز الوحدة الوطنية، بات يحمل لونًا أيديولوجيًا واحدًا، وتظهر في صفوفه شعارات وممارسات مستوحاة من فكر القاعدة وداعش. وقد تجلّى ذلك بوضوح في عروض عسكرية غاب عنها الشعار الوطني السوري، لتحلّ محلّه رموز لا تمثّل سوريا المتنوّعة ولا تاريخها المدني.

وفي موازاة ذلك، يتوسّع نفوذ مشايخ التكفير على المنابر، حيث يُحرَّض على الآخر المختلف، وتُشرعن الممارسات القمعية في المجتمع: منع الفرح، الهجوم على الأعراس، تجريم الفن، وتحريم الاحتفالات، وصولًا إلى الاعتداء على رمزية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في استهداف مباشرر لوجدان غالبية السوريين.

هذه ليست «أخطاء انتقالية»، بل مسار خطير إن استمرّ سيقود سوريا إلى نسخة جديدة من الفوضى، تُدار هذه المرّة باسم الدين. لذلك فإن الصمت لم يعد خيارًا، والمجاملة السياسية لم تعد مقبولة.

المطلوب اليوم موقف واضح: اجتثاث الفكر الداعشي من مؤسسات الدولة، تنظيف الجيش من الاختراق الأيديولوجي، وتجريم الخطاب التكفيري أيًّا كان مصدره. كما أن إعادة فتح الحياة السياسية، وبناء دولة مدنية بدستور جامع، لم تعد شعارات، بل شروط بقاء.

سوريا تقف على مفترق حاسم:
إمّا دولة وطنية تحمي تنوّعها، أو سلطة مختطفة تُدار بعقلية داعشية تقود البلاد إلى الخراب من جديد.

والتاريخ لن يرحم المتواطئين بالصمت.

  • Social Links:

Leave a Reply