الدولة المختطفة

الدولة المختطفة

د سلامة درويش

الامين العام لحزب اليسار الديموقراطي السوري


الدولة المختطفة: في تفكيك الالتباس بين الشرعية والسلطة وإعادة تعريف المسألة السورية
تمهيد: حين تتحول المفاهيم إلى أدوات تضليل
ليست الأزمة السورية أزمة سلطة فحسب، بل أزمة مفاهيم. فالخلط المتعمّد أو الساذج بين الدولة والنظام والسلطة حوّل الصراع من معركة ضد الاستبداد إلى معركة ضد الكيان الجامع ذاته. وهنا تكمن الخطورة: حين يُضرب الإطار المؤسسي باسم الثورة، يُمهَّد الطريق لنسخة أكثر قسوة من الاستبداد، لأن الفراغ لا يبقى فراغًا.
أولًا: في التحليل المفاهيمي الصارم

  1. الدولة: بنية سيادية لا تختزل في الحاكم
    الدولة كيان قانوني-سياسي يتأسس على:

    احتكار مشروع للعنف المنظم.
    مؤسسات إدارية وقضائية.
    سيادة معترف بها داخليًا وخارجيًا.
    رابطة مواطنة تتجاوز الانتماءات الجزئية.
    هي إطار الاستمرارية التاريخية.
  2. النظام: صيغة إدارة الدولة
    النظام هو شكل الحكم وآليات إنتاج الشرعية داخله (انتخاب، انقلاب، وراثة، توافق).
    يتغير النظام وتبقى الدولة، كما حدث في:
    ألمانيا بعد سقوط النازية.
    إسبانيا بعد نهاية حكم فرانثيسكو فرانكو.
  3. السلطة: الفاعل العابر
    السلطة هي النخبة الحاكمة في لحظة تاريخية محددة. وهي عرضة للتبدل والمساءلة، وإلا تحولت إلى استبداد.
    إن أي خلط بين هذه المستويات الثلاثة هو خلط يُنتج فوضى نظرية تبرر فوضى سياسية.
    ثانيًا: تفكيك الدولة بوصفه إستراتيجية هيمنة
    عندما يُستهدف النظام عبر تفكيك مؤسسات الدولة، فإن النتيجة لا تكون “تحريرًا” بل:
    تحلل البنية الإدارية.
    عسكرة المجتمع.
    صعود سلطات الأمر الواقع.
    التجربة في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين أظهرت بوضوح أن تفكيك الجيش والمؤسسات أنتج فراغًا سياديًا ملأته الميليشيات والطائفية السياسية.
    الدولة حين تُهدم لا تعود تلقائيًا؛ بل تُستبدل بسلطات متنازعة، كل منها تدّعي تمثيل “الحقيقة المطلقة”.
    ثالثًا: شرعنة الاستبداد عبر المقدّس
    أشد أنماط الاستبداد خطورة هو ذاك الذي يخلع على نفسه صفة القداسة.
    فالسلطة التي تقول إنها “تنفذ إرادة الله” أو “تحمي العقيدة” تنقل نفسها من مجال السياسة إلى مجال الإيمان، وبذلك تُجرّم المعارضة.
    تجارب تنظيمات مثل:
    تنظيم الدولة الإسلامية
    تنظيم القاعدة
    أثبتت أن احتكار الحقيقة الدينية يقود حتمًا إلى تكفير المختلف، ثم إقصائه، ثم تصفيته.
    إن الدولة التي تُختزل في عقيدة تتحول إلى طائفة مسلحة، لا إلى كيان وطني.
    رابعًا: الحالة السورية – من الاستبداد البعثي إلى مأزق البديل
    لقد ثار السوريون على نظام سلطوي طويل الأمد، لكن إسقاط النظام لم يكن كافيًا لإنتاج دولة حديثة.
    فإذا كان نظام البعث قد صادر الدولة لصالح حزب واحد، فإن الخطر اليوم يتمثل في إعادة مصادرتها باسم أيديولوجيا دينية أو فصائلية.
    الاستبداد لا يُقاس بشعاراته، بل ببنيته:
    هل يحتكر السلاح؟
    هل يحتكر تفسير الدين؟
    هل يقصي المختلف؟
    هل يخضع للمساءلة؟
    إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام استبداد، مهما كان خطابه.
    خامسًا: العقد الاجتماعي كضرورة لا كشعار
    الخروج من الحلقة الجهنمية بين نظام شمولي وسلطة أمر واقع أيديولوجية يتطلب:
    إعادة تعريف الدولة كمؤسسة محايدة.
    احتكار السلاح بيد مؤسسة عسكرية وطنية غير فصائلية.
    دستور يقيّد السلطة لا يبررها.
    فصل الدين عن شرعنة الحكم، مع احترام الدين كمكوّن مجتمعي لا كأداة سياسية.
    تمثيل متساوٍ للمكونات دون محاصصة طائفية.
    الدولة الحديثة لا تقوم على الغلبة، بل على التوافق الدستوري.
    سادسًا: الاستبداد باسم الثورة – المفارقة الكبرى
    أخطر المفارقات التاريخية أن تتحول الثورة إلى ذريعة لإعادة إنتاج الاستبداد.
    فحين يُختزل الوطن في جماعة، وتُختزل الشرعية في تفسير واحد، وتُختزل الوطنية في ولاء، تصبح الدولة مجرد أداة.
    والسلطة التي تنشأ من منطق الإقصاء ستنتهي إليه، لأن من يكفّر خصمه اليوم سيكفّر حليفه غدًا.
    خاتمة: الدولة أولًا… وإلا الفوضى المقنّعة
    إن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن النظام،
    كما أن إسقاط النظام لا يبرر هدم الدولة.
    الدولة هي الإطار الوحيد القادر على حماية التعدد،
    وأي سلطة تُسخّرها لأيديولوجيا مغلقة إنما تزرع بذور انهيارها.
    المعركة الحقيقية ليست بين علماني ومتدين، ولا بين قومي وإسلامي، بل بين من يؤمن بدولة المواطنة والقانون، ومن يؤمن بدولة الغلبة والاحتكار.
    وإن لم يُصغ السوريون عقدًا اجتماعيًا جامعًا يضع السلطة تحت سقف الدولة، فإنهم سيجدون أنفسهم أمام أخطر أشكال الاستبداد: استبدادٍ يتكلم باسم السماء ويحتكر الأرض.

  • Social Links:

Leave a Reply