د سلامة درويش
امين عام حزب اليسار الديموقراطي السوري
لم تبدأ الثورة السورية برصاصة… بل بصرخة
صرخة خرجت من صدور شبابٍ قرروا أن يكسروا جدار الخوف، لا أن يستبدلوه بجدارٍ آخر.
لم تكن ثورة جياع فقط، ولا غضب لحظة عابرة، بل كانت ولادة وعيٍ سياسي جديد، جيلٌ قرر أن يستعيد حقه في الكلام، في التنظيم، في الحلم.
في تلك الأيام، لم تكن البنادق تقود المشهد، بل التنسيقيات.
شبكات شبابية مدنية، نظمت التظاهر، وأدارت النقاش، وفتحت أبواب السياسة على مصراعيها.
امتلأت الساحات والبيوت بندواتٍ فكرية، ونقاشات حول الدولة والدستور والمواطنة. ظهرت مجلات وصحف ومواقع، وبدأ السوريون—لأول مرة منذ عقود—يتعلمون السياسة وهم يصنعونها.
لكن… كل ذلك لم يكن مرحبًا به.
مع دخول السلاح، لم تتغير أدوات الصراع فقط، بل تغيرت روح الثورة.
انكفأ العمل السياسي، وتراجعت المساحات المدنية، وصعدت قوى مسلحة تحمل مشاريع مغلقة لا تشبه الحلم الأول.
تمت “أسلمة” الثورة قسرًا، وتحويلها من ثورة شعب إلى ساحة نفوذ لأيديولوجيات عابرة للمجتمع.
وهنا بدأ الإقصاء الحقيقي.
الشباب الذين أطلقوا الشرارة، وجدوا أنفسهم خارج المعادلة:
إما مهمشين، أو ملاحقين، أو مدفوعين إلى المنافي.
تحولت الهجرة واللجوء من خيار اضطراري إلى قدر جماعي، وكأن الثورة قررت أن تأكل أبناءها أو تنفيهم.
ورغم كل هذا الخراب، لم تمت السياسة بالكامل.
من رحم الثورة، وُلدت أحزاب وتيارات متعددة: إسلامية، قومية، ويسارية.
لكن كثيرًا منها سرعان ما تراجع، أو تكيّف، أو فقد بوصلته، خصوصًا بعد سقوط النظام، حين انكشفت حقيقة مرّة:
لا توجد استراتيجية… لا رؤية… لا مشروع لما بعد الانتصار.
في هذا المشهد المرتبك، بقيت قوى قليلة تحاول أن لا تنحني.
ومن بينها حزب اليسار الديمقراطي السوري، الذي تمسّك بخطه الأول:
ثورة من أجل الحرية، لا من أجل استبدال طاغية بآخر.
دولة مواطنة، لا دولة طوائف أو عمائم.
عدالة اجتماعية، لا إعادة توزيع للفساد.
ومع صعود نظام جديد بواجهة إسلامية، مدعوم بتوازنات دولية، لم يتردد في فضح الحقيقة:
أن ما جرى ليس انتصارًا للثورة، بل التفاف عليها، وصبغٌ لنتائجها بلونٍ سلفي جهادي لا يمتّ إلى بداياتها بصلة.
وقف الحزب ضد تمركز السلطة بيد “الرئيس الانتقالي”، وفضح ما سُمّي بـ”المؤتمر الوطني” بوصفه مسرحية شكلية موجهة للخارج.
كما واجه بوضوح استئثار قوى الأمر الواقع بالحكم، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، التي أحكمت قبضتها على مفاصل القرار، وأقصت الضباط المنشقين وأبناء الثورة الحقيقيين.
ما نشهده اليوم ليس إلا إعادة إنتاج للاستبداد بأقنعة جديدة:
تعيين الأقارب، تقديس الولاء، تهميش الكفاءة، وإقحام رجال الدين في كل مفصل من مفاصل الدولة.
“انتخابات” بلا إرادة، و”مؤسسات” بلا استقلال، و”سلطة” بلا شرعية.
والأكثر فجاجة: إعادة تدوير رموز النظام السابق عبر بوابة التسويات والمحسوبيات،
في وقتٍ يُدفع فيه الثمن مرة أخرى من دماء وأعمار من ضحّوا فعلًا.
أمام هذا الانحراف، بقي الصوت واضحًا:
لا لعدالة انتقائية… نعم لعدالة انتقالية شاملة.
لا حصانة لقاتل… أيًا كان موقعه أو شعاره.
لا مستقبل بلا محاسبة، ولا دولة بلا قضاء عادل مستقل.
الخاتمة: لا شرعية لمن سرق الثورة
لنكن واضحين:
كل سلطة تُبنى على إقصاء أصحاب الثورة، هي سلطة فاقدة للشرعية… مهما رفعت من شعارات.
وكل من صمت عن سرقة الثورة، أو تكيّف معها، أو برر انحرافها، هو شريك في دفنها.
الثورة ليست غنيمة حرب.
وليست سلّمًا تتسلقه جماعات لتفرض وصايتها على الناس باسم الدين أو القوة أو الأمر الواقع.
من صادر القرار، ومن همّش الشباب، ومن أعاد إنتاج الاستبداد بعمامة بدل بزّة عسكرية…
لن يصنع دولة، بل يؤسس لانفجارٍ قادم.
لا استقرار بلا حرية.
ولا شرعية بلا عدالة.
ولا مستقبل دون استعادة السياسة من قبضة السلاح.
وإن لم يعد الصوت لأصحابه…
فإن ما سُرق بالقوة، لن يُستعاد إلا بإرادةٍ أشدّ قوة.

Social Links: