حين تصبح الفرحة اختبارًا للكرامة والصمود

حين تصبح الفرحة اختبارًا للكرامة والصمود

نساء ديموقراطيات سوريات

العيد في سوريا… حين تصبح الفرحة اختبارًا للكرامة والصمود

يأتي العيد في سوريا هذا العام كما جاء في أعوامٍ كثيرة مضت: محمّلًا بالمعاني التي أحبّها السوريون دائمًا من فرحٍ وصلةٍ وتكافلٍ ولمّةٍ عائلية، لكنه يأتي أيضًا مثقلًا بواقعٍ قاسٍ يجرّد هذه المناسبة من كثيرٍ من ملامحها الطبيعية. ففي بلدٍ أنهكته الحرب، واستنزفته الأزمات الاقتصادية، وأثقلته الانقسامات السياسية، وتركته الهشاشة الأمنية في مواجهة الخوف اليومي، لم يعد العيد مجرّد مناسبةٍ للبهجة، بل غدا مرآةً مكشوفةً لحجم الألم الذي يعيشه الناس، وامتحانًا يوميًا لقدرتهم على التمسك بإنسانيتهم رغم كل ما فُرض عليهم من قهرٍ وحرمان.
في سوريا اليوم، لا يُستقبل العيد كما ينبغي أن يُستقبل.
فكثيرٌ من البيوت تدخله مثقلةً بالهمّ بدلًا من الاستعداد، وبالحسابات القاسية بدلًا من الفرح، وبالقلق على الغد بدلًا من الطمأنينة. ومع الارتفاع الجنوني للأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، وانعدام الاستقرار المعيشي، باتت أبسط تفاصيل العيد — من كسوة الأطفال، إلى إعداد الحلوى، إلى زيارة الأقارب، إلى تأمين احتياجات يومٍ واحدٍ بكرامة — عبئًا يفوق قدرة آلاف العائلات السورية. وهكذا، تتحوّل مناسبةٌ يفترض أن تُعيد للناس شيئًا من الراحة النفسية إلى لحظةٍ تكشف بوضوح عمق الفقر، واتساع العجز، وثقل الحرمان.
غير أنّ قسوة العيد في سوريا لا تُقاس فقط بما غلا ثمنه أو تعذّر شراؤه، بل بما انكسر في داخل العائلات من استقرارٍ وأمان، وبما غاب عن الموائد من أحبة، وبما تراكم في القلوب من وجعٍ صامت.
فالعيد الذي كان مناسبةً للمة الاحبة واجتماع الاسرة أصبح في بيوتٍ كثيرة مناسبةً لاستحضار الغائبين، واستعادة الوجوه التي غيّبتها الحرب، أو اختطفتها المعتقلات، أو فرّقتها المنافي، أو ابتلعها النزوح. وفي مقدمة هذا الوجع الوطني والإنساني، تبرز مأساة المغيّبين قسرًا، أولئك الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا، والذين تحوّلت ذكراهم في كل عيد إلى غصّةٍ لا تهدأ، وسؤالٍ مفتوحٍ لا يجد جوابًا، وجرحٍ يتجدّد مع كل كرسيٍّ فارغ، وكل بابٍ لا يُطرق، وكل أمٍّ تنتظر، وكل زوجةٍ تعيش بين الرجاء والانكسار، وكل طفلٍ يكبر على غيابٍ لا يفهمه لكنه يشعر بثقله في كل مناسبة.
إنّ قضية المغيّبين قسرًا ليست ملفًا حقوقيًا فحسب، بل مأساة يومية تعيشها آلاف الأسر السورية، وخصوصًا النساء اللواتي تحمّلن عبء الانتظار كما تحمّلن عبء الحياة.
فكم من أمٍّ تستقبل العيد وهي تخفي دمعتها كي لا تُطفئ فرحة بافراد اسرتها المتبقين لديها ، بينما قلبها معلّق بابنٍ لا تعرف إن كان حيًا أم شهيدًا؟
وكم من زوجةٍ تُدير شؤون أسرتها وحدها، وتُقاوم الفقر والخوف والأسئلة الثقيلة، فيما الغياب القسري لزوجها حوّلها إلى شاهدةٍ على الظلم، وحاملةٍ لمسؤولية لا تنتهي؟
وكم من طفلٍ يمرّ عليه العيد وهو لا يعرف لماذا لا يعود والده، أو أين اختفى أخوه، أو لماذا يتحوّل الفرح في بيته فجأةً إلى صمت؟
إنّ استمرار تغييب الحقيقة والعدالة في هذا الملف يجعل من كل عيدٍ في سوريا مناسبةً ناقصة، ويجعل من الحديث عن الفرح حديثًا مبتورًا ما دامت آلاف العائلات محرومةً من حقّها في المعرفة، والإنصاف، والكرامة.
وفي قلب هذا المشهد، تبقى المرأة السورية أكثر من يدفع كلفة الانهيار المتعدد الأوجه.
فالنساء في سوريا لا يواجهن فقط الغلاء والفقر، بل يتحمّلن أعباءً متراكمةً فرضتها سنوات الحرب وما تلاها: إعالة الأسرة في كثير من الحالات، ورعاية الأطفال، ومواجهة آثار الفقد والاعتقال والنزوح، ومحاولة الحفاظ على تماسك البيت في ظلّ ظروفٍ شديدة الهشاشة. ومع كل عيد، تتضاعف هذه الأعباء، لأنّ المرأة لا تواجه فقط ضيق المعيشة، بل تواجه أيضًا ألم العجز عن تأمين ما يحفظ لأطفالها شيئًا من الفرح، ويصون كرامة الأسرة من الانكسار أمام الحاجة.
والأم السورية، التي اعتادت أن تجعل من العيد مساحةً للدفء والاحتواء، تجد نفسها اليوم في كثير من الأحيان تقاوم وحدها كي لا يتحوّل هذا اليوم إلى مناسبةٍ إضافية للحرمان.
والأطفال ، الأكثر براءةً هم الأكثر تضررًا فيحملون في الأعياد ما لا ينبغي لطفولةٍ أن تحمله.
كثيرٌ منهم لا يعرف العيد كما عرفته الأجيال السابقة: لا من خلال الطمأنينة، ولا من خلال اللعب الحر، ولا من خلال إحساس البيت المستقر، ولا من خلال فرحٍ بسيطٍ لا تشوبه المخاوف.
هناك أطفالٌ يستقبلون العيد في مخيمات النزوح، أو في بيوتٍ مهدّدة بالفقر، أو في أسرٍ فقدت معيلها، أو في منازل يسكنها الحزن بعد اعتقال أبٍ أو غياب أخٍ أو رحيل أمّ. وهناك أطفالٌ صار أقصى ما يتمنّونه في العيد ثوبًا جديدًا، أو لعبةً صغيرة، أو قطعة حلوى، أو يومًا يمرّ من دون توترٍ أو بكاء.
إنّ حرمان الأطفال من فرحة العيد ليس تفصيلًا اجتماعيًا عابرًا، بل علامةٌ مؤلمة على عمق الانهيار الذي أصاب الحياة في سوريا، وعلى الخطر المتزايد الذي يهدد الصحة النفسية والاجتماعية لجيلٍ كاملٍ نشأ تحت ضغط الحرب، والفقد، والنزوح، والحرمان.
وتتجسّد هذه المأساة بأوضح صورها في حياة النازحين والنازحات، الذين يعيشون العيد بعيدًا عن بيوتهم، وعن قراهم ومدنهم، وعن ذكرياتهم التي كانت تصنع للمناسبة معناها.
فالعيد في خيمة ليس كالعيد في بيت.
والعيد في مأوى مؤقت ليس كالعيد في حضن المكان الذي يمنح الإنسان شعوره بالأمان والانتماء.
وفي المخيمات ومراكز النزوح والتجمعات الهشة، تُصبح الأعياد لحظةً مؤلمةً للمقارنة بين ما كان وما صار: بين بيتٍ كان يمتلئ بالأقارب والضحكات، وخيمةٍ بالكاد تقي برد الليل أو حرّ النهار؛ بين مطبخٍ كانت تُعدّ فيه النساء حلوى العيد بمحبة، وواقعٍ تُقاس فيه الرغيف والدواء والملبس بحسابات العجز.
وهنا أيضًا، تتحمّل النساء النازحات العبء الأثقل، إذ يُطلب منهنّ أن يصنعن الدفء في أكثر الظروف قسوة، وأن يمنحن أطفالهنّ إحساسًا بالحياة في أماكن لا تشبه الحياة، وأن يواصلن الصمود فيما تُسلب منهنّ الخصوصية والاستقرار والأمان.
إنّ هذا الواقع المؤلم ليس قدرًا طبيعيًا، ولا يمكن التعامل معه بوصفه مشهدًا اعتياديًا يتكرر مع كل مناسبة.
فما يعيشه السوريون اليوم — وخصوصًا النساء، والأطفال، والنازحين، وأسر المغيّبين قسرًا — هو نتيجة مباشرة لاستمرار غياب العدالة، وتفكك الحماية الاجتماعية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، واستمرار الانتهاكات، وغياب الحلول الجدية التي تعيد للإنسان السوري حقّه في الحياة الكريمة.
ولذلك، فإنّ العيد في سوريا لا ينبغي أن يكون مناسبةً للتغاضي عن الألم أو تزيين المشهد، بل يجب أن يكون مناسبةً أخلاقية ووطنية لتجديد الصوت المطالب بالكرامة، والعدالة، والحقيقة، والمحاسبة، ورفع المعاناة عن الفئات الأكثر هشاشة.
إنّ مسؤولية التخفيف من هذا الألم لا تقع على عاتق الأسر المنهكة وحدها، ولا يمكن اختزالها في مبادرات موسمية مهما كانت أهميتها، بل هي مسؤولية مجتمعية ومؤسساتية وسياسية وحقوقية متكاملة.
إنّ ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط حملات دعم عابرة في الأعياد، بل سياسات حقيقية تستعيد قيمة الإنسان، وتوفّر الحماية الاجتماعية، وتدعم النساء المعيلات، وتحمي الأطفال من مزيد من التهميش والحرمان، وتضمن كرامة النازحين وحقّهم في الاستقرار والعودة الآمنة، وتضع ملفّ المغيّبين قسرًا في صدارة الأولويات الوطنية والحقوقية، باعتباره جرحًا لا يمكن أن يلتئم بالصمت أو النسيان.
و التضامن المجتمعي، على أهميته، يجب أن يقترن بوعيٍ أخلاقي عميق بأنّ فرحة العيد لا تكتمل ما دام في سوريا أطفالٌ بلا أمان، وأمهاتٌ بلا سند، ونازحون بلا بيت، وعائلاتٌ تنتظر أبناءها المغيّبين على أبواب الصمت والخذلان.
إنّ واجبنا في هذه الأيام لا يقتصر على تبادل التهاني، بل يتجاوز ذلك إلى الانحياز الواضح للمتألمين، وإلى تحويل العيد إلى مساحةٍ للتكافل المسؤول، والتذكير المستمر بأنّ الكرامة الإنسانية ليست رفاهًا، وأنّ الفرح ليس امتيازًا، وأنّ الحقّ في الأمان، وفي معرفة مصير الأحبة، وفي العيش الكريم، هو حقّ أصيل لا يسقط بالتقادم ولا تُلغيه قسوة الظروف.
في هذا العيد، نوجّه تحية وفاءٍ وصمودٍ إلى أمهات المغيّبين قسرًا، وزوجاتهم، وأطفالهم، وإلى كلّ امرأةٍ سورية تحمل على كتفيها أعباء الغياب والفقر والانتظار، وإلى كلّ طفلٍ حُرم من حقّه الطبيعي في الطفولة والفرح، وإلى كلّ عائلةٍ نازحة تصنع من المؤقت حياةً وتتمسّك بالأمل رغم القهر.
ولا بد من التأكيد على أنّ قضية المغيّبين قسرًا ستبقى ضميرًا حيًّا في وجدان السوريين، ولن يكون لأيّ عيدٍ في سوريا اكتماله الإنساني ما لم تُكشف الحقيقة، ويُعرف المصير، وتتحقق العدالة، ويُرفع الظلم عن الأسر التي عاشت سنواتٍ طويلة بين الانتظار والوجع.
كلّ عيدٍ وسوريا تستحق الحياة والكرامة،
وكلّ عيدٍ ونساء سوريا أكثر أمنًا وإنصافًا،
وكلّ عيدٍ وأطفالها أحقّ بالفرح لا بالحرمان،
وكلّ عيدٍ ونازحوها أقرب إلى البيت والاستقرار،
وكلّ عيدٍ والمغيّبون قسرًا حاضرون في الضمير حتى تتحقق الحقيقة

  • Social Links:

Leave a Reply