بقلم: زكي الدروبي
عضو المكتب السياسي -حزب اليسار الديموقراطي السوري
في لقاء “الرئيس” الشرع مع عدد من أفراد الجالية السورية ببرلين، سألت إحدى السوريات سؤالاً بسيطاً: “متى سنرى حياة سياسية وأحزاباً في بلدنا؟”، فجاء الجواب مراوغاً كالعادة؛ بدأ بمعلومة غير صحيحة ليبني عليها استنتاجاً يبرر البقاء في السلطة للأبد، فقال لها: “أنتم صرتم في أحزاب في ألمانيا بعد سبعين سنة من الحرب”، والحقيقة أن الحزب الاشتراكي الذي تنتمي له السيدة عمره يزيد عن مئة وستين عاماً!
ثم أضاف في الجزء الثاني من جوابه: “أما في سوريا اليوم فهناك فقر ومشكلات كثيرة، وليس من المعقول أن أترك طفلاً يموت، وبدلاً من أن أنقذه أمشط له شعره”. هذا التشبيه هو خيانة لمبادئ الثورة التي طالبت بالحرية والديمقراطية منذ الصرخة الأولى. إن تصوير حقوق الشعب السوري في الكرامة والمشاركة السياسية على أنها رفاهية “تمشيط شعر” ليس مجرد زلة لسان، بل هو تزوير للواقع؛ فهذه الحقوق ليست “إكسسوارات” يمكن تأجيلها، بل إن غيابها هو السم الذي يقتل “الطفل السوري” كل يوم.
الديمقراطية هي “الأوكسجين” لا “المشط”
يقول إنه يحاول “إنقاذ الطفل”، لكن ممن يريد إنقاذه؟ من الجوع؟ الثورة لم تكن ثورة جياع، بل ثورة كرامة. الجوع لم يكن قدراً للسوريين، بل كان نتيجة مباشرة للفساد والاحتكار في عهد الأسد، واستمراره اليوم في عهد “دكانة بدوي وشركاه”.
هل ننقذه من الظلم؟ الظلم الحقيقي هو أن يقبض موظف جامعي قضى عشرين عاماً في الخدمة راتباً يعادل مليوناً ونصف ليرة، بينما زميله “المدعوم” خريج المعهد الذي قضى أربع سنوات مع “حكومة الإنقاذ” يقبض مليوناً وثمانمائة ألف! الظلم أن نرى سيارات المسؤولين الجدد الفارهة ومواكبهم الضخمة، بينما يغرق السوريون في السيول التي تجرف خيامهم.
الديمقراطية ليست “تمشيط شعر”، بل هي حديد التسليح في بناء الجسر الذي سيعبر به أطفالنا نحو المستقبل. بدون ديمقراطية ومحاسبة، يتحول “المنقذ” إلى “مستبد جديد”، وتتحول “المرحلة الاستثنائية” إلى “أبدية” لا تنتهي، كما فعل آل الأسد لخمسين عاماً تحت ذريعة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
إن “فقه الأولويات” يلزمنا باستخدام حديد تسليح حقيقي وليس “مغشوشاً” بالولاء والمحسوبيات؛ لأن الحديد الحقيقي يحمي الناس، أما المغشوش فسينهار فوق رؤوسهم. من يعتبر الديمقراطية رفاهية اليوم، فهو يمهد الطريق لـ “بسطار عسكري” جديد، ويؤسس لدولة “زعران وشبيحة” جدد؛ يضرب فيها أولاد رئيس البلدية الناس المطالبين بأسطوانة غاز، ويهاجم فيها “البلطجية” الأحياء الآمنة بحجة الثأر. نحن نرفض أن نشرعن لهؤلاء “الزعران” ليدوسوا كرامتنا؛ لا في الزهراء بحمص، ولا السقيلبية، ولا الحراك، ولا في أي شبر من أرضنا. بناء الوطن يبدأ من احترام الكبير للقانون الذي وضعه بيده، لا بتجاوزه.
ألمانيا وسوريا.. بدايات ونهايات
المقارنة التي استخدمها الشرع مضللة؛ فألمانيا لم تنتظر الرفاه لتقرر “تمشيط” شعرها. الحزب الاشتراكي الألماني قاوم “بسمارك” وهتلر وهو مطارد؛ لأن “الديمقراطية” هي التي بنت ألمانيا. المؤسسات الرقابية الصارمة هي التي منعت الفساد من التهام أموال “مشروع مارشال” لإعادة الإعمار، وبهذا نهضت الدولة.
أما عندنا، فهناك من يريد إطعامنا “فتات الخبز” من يده ليشتري سكوتنا عن الصفقات التي تتم تحت الطاولة، ثم يربطنا كالعبيد من رقابنا؛ إن رضي أطعمنا، وإن غضب شد الحبل فخنقنا. المفاضلة بين الخبز والديمقراطية هي كذبة كبرى؛ فمن يضمن ألا يضيع الخبز غداً بعد أن أضعنا الحرية اليوم؟
نحن في “حزب اليسار الديمقراطي السوري” نرى أن الطفل السوري يموت بسبب غياب “الأوكسجين السياسي”، ولأن “دراكولا” الجديد يطبق على رقبته ويمص دمه، والديمقراطية هي “سهم الفضة” الذي يقتله. نحن أصحاب حضارة عمرها آلاف السنين، لن ننتظر إذناً من أحد لنمارس حقنا في التنظيم السياسي والمحاسبة. لم نطلب “مكرمة” من أحد، ولا ننتظر انقشاع الغبار لنجد لأنفسنا مكاناً.
إننا نبحث عن دولة القانون والمؤسسات، لا دولة “المزارع والمحسوبيات”.

Social Links: