د أحمد برقاوي
أن يكون المرء أيديولوجياً، أو مرّ بمرحلة الأيديولوجيا، أو لديه بقايا أيديولوجية، أو متعاطفاً مع نمط من الأيديولوجيا، فهذا أمر طبيعي، أو قل: هو الأمر الطبيعي؛ إذ يندر أن تجد شخصاً أوتي حظاً من الثقافة وميلاً إلى اتخاذ موقف من مشكلات عالمه المحيط، خلواً من الأيديولوجيا، أو لم يمرّ بمرحلة أيديولوجية.
ولا يمكن للجماعات السياسية، عموماً، أن تغدو فاعلة دون سند أيديولوجي يدفعها نحو العمل. ولهذا، نحن لا نتخذ موقفاً سلبياً من الأيديولوجيا، مهما كانت ترسيماتها الإيمانية، إلا إذا تحولت إلى أيديولوجيا قاتلة.
فالخيارات الأيديولوجية خيارات حرة، وتمنح أصحابها نوعاً من الأمل والتفاؤل بمستقبل يرسمونه في مخيلتهم، وخاصة إذا كانت الأيديولوجيات ذات وسائل سلمية لا تعدو الخطاب والممارسة المدنية. غير أن هذا لا يعني ألّا يكون لنا موقف أخلاقي من ذاك السلوك الذي تقف وراءه أيديولوجيا القتل، التي تسود في لحظات الحروب الأهلية والثورات الاجتماعية والانهيارات الأخلاقية.
فأيديولوجيا القتل هي وصول نفي الآخر إلى حدّه المطلق. وعندي أن هناك فرقاً كبيراً بين الأيديولوجيا في بدء نشأتها وذروة صعودها، وبين الخرف الأيديولوجي، سواء تعلّق الأمر بخرف الجماعات الأيديولوجي أو خرف الأفراد.
ما الخرف الأيديولوجي؟ لغوياً، الخرف من الفعل الثلاثي «خرف»: فسد عقله من الكبر، أو انقطعت صلته بالواقع. وانقطاع الصلة بالواقع يخلق أشكالاً متعددة من السلوك المرضي، أو اللاسوي في أحسن الأحوال. إن تعريف الخرف بوصفه انقطاع الصلة بالواقع يؤكد ما نذهب إليه من تعريف للخرف الأيديولوجي.
فالخرف الأيديولوجي لا يصيب الأيديولوجي الذي بلغ من العمر عتياً وظل متمسكاً بأيديولوجيا فقدت صلتها بالواقع، وليس وقفاً على الجماعات المعاندة في أوهامها الأيديولوجية، وإنما يصيب الجميع، من كل الأعمار والأزمان. والحق أن العالم العربي الآن يعاني من وجود عدة أشكال من الخرف الأيديولوجي، ومن النتائج الكارثية لخرف كهذا؛ لأن الأيديولوجيا مرتبطة بالسلوك.
ولا نستطيع أن نقف عند كل أشكال الخرف الأيديولوجي في مقالة صغيرة، ولهذا سنقف عند بعض الأشكال. فلو تأملنا الأيديولوجيا الدينية الإسلامية التي أسّس لها البنّا قبل ستة وسبعين عاماً، واستطالاتها، فلا شك أننا واجدون نموذجاً فذاً للخرف الأيديولوجي. فحكم الحاضر بترسيمات ومفاهيم وقوانين وأعراف عالم قديم أمر مستحيل منطقياً وواقعياً ومعرفياً.
ولأن الواقع ليس بمقدوره أن يستمرئ أمراً كهذا، ولّد هذا الخرف الأيديولوجي حركات عنفية تسعى إلى تكسير رأس التاريخ، مستغلة الخرف الأيديولوجي للدكتاتوريات التي حكمت انطلاقاً من عقلية الاحتلال واحتكار القوة. بل إن الحركات المسلحة التي أخذت أسماء كحزب الله وأنصار الله وجند الله، والتي تحمل السلاح وتنظم نفسها تنظيماً فاشياً، ما هي إلا صور فاقعة من صور الخرف الأيديولوجي.
والخرف الأيديولوجي الشيوعي المستمر بصورته القديمة، رغم انهيار التجربة السوفييتية أو أشباهها في أوروبا الشرقية، والمستمر عند بعض الأفراد والأحزاب القديمة، لا يقل عن الخرف الأيديولوجي الأصولي الديني.
ولكن من حسن حظ الواقع أن النتائج السلبية لخرف كهذا لا تتعدى الكتابة والمواقف السياسية السلمية. وآية ذلك أن الشيوعية، مهما أخذت طابع الدين الدنيوي، تظل في الوعي ابنة الأرض، وخالية من المقدس؛ ولهذا خضعت للنقد من أصحابها أنفسهم.
أما أشكال الخرف الأيديولوجي المستترة فحدّث ولا حرج، وهي مستترة لأنها لا تظهر إلا في الممارسة، لا في الخطاب، وهي لا تقل خطورة عن أي أيديولوجيا معلنة، إن لم تكن أخطر من المعلن. فالاعتقاد بأن العالم ثابت وخارج السيرورة والتغيير خرف يصيب بعض الجماعات الحاكمة الفاقدة لحس الشم التاريخي، فتقودها هذه الحال إلى العمى التاريخي.
أما الجنون الأيديولوجي فهو الأخطر. وقد تناول كلٌّ من الطب النفسي والطب العام ظاهرة الجنون، وتواضعا على أن الجنون حالة مرضية لا يستطيع العقل معها أن يفكر منطقياً وواقعياً، بكل ما ينتج عن هذا العجز عن التفكير من أنماط سلوك خارقة لقواعد المجتمع، خرقاً يصل حدّ ارتكاب الحماقات التي تلحق الضرر بالآخرين.
وهناك درجات للجنون، وإحدى هذه الدرجات تحكّم الأوهام بصاحبها وتصديق اللامعقول. فتوهم شخص ما بأن هناك قريناً له يرافقه أينما ذهب، درجة من درجات الجنون.
غير أن أحداً لم يتحدث عن ظاهرة الجنون الأيديولوجي وخطرها على المجتمع والعلاقات المعاشرية بين الناس. والأيديولوجيا، كما هي في تعريفاتها المتنوعة، جملة من الأفكار التي يعتقد بها الشخص اعتقاداً مطلقاً، دون أن تنطوي على علاقة بالحقيقة فعلاً، بل إنها حالة تجعل صاحبها محصوراً بما يؤمن به إيماناً مطلقاً.
وانتقال الأيديولوجيا من شكل من أشكال الوعي البسيط المرتبط بالمصلحة، أو التصديق العادي، أو من الخرف، إلى حالة من الجنون الأيديولوجي، لا يعني سوى تحكّم الأيديولوجيا، بوصفها هوساً، بصاحبها، واستخدام العنف، اللفظي أو الجسدي، ضد كل من ينال من أوهامه التي وصلت حد الحقيقة المقدسة.
يتعيّن الجنون الأيديولوجي بقداسة أمرين: قداسة أشخاص، والنظر إلى ما يصدر عنهم من كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والفكرة المطلقة التي تؤسس لكل الحقيقة. وحين يتحد الشخص المقدس والفكرة المقدسة في شخص ما، فاعلم بأنه في حال الجنون الأيديولوجي. ولا شك في أن من علائم الجنون الأيديولوجي التعصب الأعمى النافي للمختلف.
فكيف إذا تحول المجانين الأيديولوجيون إلى فاعلين في المجتمع والسياسة والدولة؟ إنهم يعيثون خراباً في الحياة، ويصادرون المستقبل. ومن هذه الزاوية، لا فرق بين نتنياهو وهتلر وآية الله الخميني والبغدادي وكيم إيل سونغ وأتباعهم.
وتجب الإشارة إلى أن التعصب الطائفي والقومي هو شكل من أشكال الجنون الأيديولوجي القاتل، وبخاصة إذا تحول إلى جنون جمعي، وآثاره المدمرة في الحياة واضحة في بلادنا. والحق أن جميع الجرائم ضد المجتمع، من فئات تنتمي إلى المجتمع نفسه أو لا تنتمي إليه، إنما مردّها إلى الجنون الأيديولوجي.
وها نحن نعيش اليوم مرحلة من الجنون الأيديولوجي، الذي لم يسلم منه حتى بعض أولئك الذين ظُنّ أنهم ينتمون إلى حقل الحرية.
فذهنية العنف الناتجة عن الجنون الأيديولوجي، والتي تُمارس اليوم بين الناس لمجرد الاختلاف، لا تترك مجالاً للشك في أن البرء من الجنون الأيديولوجي، الذي كنا نظن أن الربيع العربي دواء شافٍ منه، لم يأخذ بعد صورة الانتصار الكلي.
ومن مظاهر الجنون الأيديولوجي المرعبة خروج المكبوت الطائفي لدى الأفراد الذين ينتمون إلى حقل الحداثة في الظاهر، بكل عنفه. والشفاء من الجنون الأيديولوجي ليس معناه الانتقال من جنون أيديولوجي إلى جنون أيديولوجي آخر، كانتقال الإسلاموي إلى الشيوعي، أو انتقال الشيوعي إلى الإسلاموي، بل الشفاء من التعصب الأيديولوجي والعودة إلى العقل الذي يعترف بالاختلاف، ونسبية الحقيقة وموضوعيتها، والحق في ارتكاب الخطأ، تاريخية المعرفة والقطيعة المعرفية وممارسة النقد، أي عودة العقل إلى ذاته الثرية.

Social Links: