علي الأمين السويد
في السياسة، لا يُقرأ الصمت بوصفه حيادًا، بل بوصفه موقفًا. ومن هذا المنطلق، فإن صمت الحكومة الانتقالية السورية إزاء زيارة مظلوم عبدي إلى أوروبا يطرح، أكثر مما يخفي، أزمة شفافية، وإشكالية شرعية، واحتمال وجود ترتيبات لم تُعرض يومًا على السوريين.
يُقدَّم مظلوم عبدي في هذه الزيارة بصفته قائدًا لقوات سوريا الديمقراطية وشريكًا للتحالف الدولي، ويتحرك على هذا الأساس في فضاء دبلوماسي يفترض أنه حكر على الدول أو من يمثلها رسميًا. وهنا يبرز السؤال المركزي: من منح هذا التفويض؟ ومن سمح بإعادة إنتاج دور سياسي لقوة قيل رسميًا إنها انتهت إلى الأبد؟
ففي 29 كانون الثاني/يناير 2026، أُعلن عن اتفاق بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، تلاه تصريح للرئيس الانتقالي بأن “قسد انتهت إلى الأبد”. غير أن الوقائع اللاحقة، وعلى رأسها هذا الحضور الدولي، تشير إلى عكس ذلك تمامًا. وهو ما يضعنا أمام تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.
لكن الإشكال لا يقف عند حدود التناقض، بل يتجاوزه إلى جوهر المسألة: طبيعة الاتفاق نفسه. إذ لم تُنشر حتى الآن أي تفاصيل رسمية لبنوده، رغم أن آثاره، إن صحت التقديرات، تمسّ بشكل مباشر بنية الدولة السورية ونظام الحكم فيها.
من منظور قانوني ودستوري، يثير هذا الغموض جملة من الاعتراضات الجوهرية. فالحكومات الانتقالية، بحكم تعريفها، لا تمتلك تفويضًا مفتوحًا لإعادة تشكيل الدولة أو إقرار ترتيبات سيادية دائمة. بل تُقيَّد صلاحياتها بإدارة المرحلة المؤقتة، تمهيدًا لانتقال ديمقراطي قائم على التمثيل الشعبي.
وعليه، فإن أي اتفاق يتضمن، صراحة أو ضمنًا، منح شكل من أشكال الحكم الذاتي أو إعادة توزيع للسلطة على أسس سياسية أو جغرافية، يفتقر إلى المشروعية ما لم يستند إلى:
• تفويض شعبي مباشر عبر استفتاء عام
• أو إقرار من سلطة تشريعية منتخبة تمثل الإرادة العامة
إن مبدأ وحدة الدولة، كما هو مستقر في القانون الدولي، لا يتناقض مع اللامركزية الإدارية، لكنه يرفض بشكل واضح فرض كيانات سياسية ذات طابع قومي أو طائفي خارج إطار دستوري جامع. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض إدارات ذاتية على هذا الأساس لا تمثل حلًا، بل تشكل خطرًا حقيقيًا على وحدة البلاد واستقرارها.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الغموض المحيط بالاتفاق عن التحركات الدولية المرتبطة به. فظهور قيادات مرتبطة بـقسد على الساحة الأوروبية دون توضيح رسمي سوري، يعزز الانطباع بوجود تفاهمات غير معلنة، وربما تنازلات لم تُعرض على الرأي العام.
وهنا، يتحول الصمت من مجرد إشكال إعلامي إلى مسألة تمسّ جوهر الشرعية السياسية. لأن إدارة مصير دولة عبر اتفاقات غير منشورة، ومن دون تفويض شعبي، لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، مهما كانت التعقيدات السياسية أو الضغوط الدولية.
السوريون اليوم لا يواجهون نقصًا في الوقائع، بل نقصًا في الحقيقة. وهم لا يطالبون بأكثر من حقهم الطبيعي: معرفة ما يُقرَّر باسمهم، والمشاركة في تقرير مصير بلادهم عبر آليات ديمقراطية واضحة.
إن أي سلطة انتقالية تتجاوز هذا المبدأ، وتتعامل مع سوريا بوصفها ملفًا قابلًا للتفاوض خلف الأبواب المغلقة، إنما تضع نفسها موضع مساءلة سياسية وتاريخية.
السؤال لم يعد: ماذا يحدث؟
بل: لماذا يُخفى ما يحدث… ومن يملك حق القرار في سوريا اليوم، أم ان سوريا هي من انتهت للأبد وليس قسد؟

Social Links: