سالم يفوت

عبر التاريخ، لطالما كانت المؤسسات الدينية، أو من ينصبون أنفسهم حراساً للعقيدة، تحت مجهر النقد الفلسفي الحاد. عندما يتحول الدين من علاقة روحية تسمو بالإنسان إلى أداة للهيمنة وتمرير المصالح، ينهض العقل النقدي لتمزيق الأقنعة وكشف التناقض المرعب بين المُثل المعلنة والممارسات الخفية.
وضع أبو العلاء المعري أصبعه بجرأة نادرة على هذا الجرح النازف في جسد المجتمع العباسي. لقد صب غضبه ونقده اللاذع على رجال الدين الذين أبدوا التزمت، وأفرطوا في التظاهر بالوقار والورع الزائف أمام العامة. كان المعري يمتلك بصيرة نافذة تخترق هذه المظاهر، ليرى أن ما يبطنه هؤلاء يختلف تماماً عن ممارساتهم في مناسكهم الدينية. فقد صاغوا لأنفسهم قناعات خاصة، وبنوا معتقدات استخدموها كوسيلة لتطهير جرائمهم الدنيوية ولحاقهم بخرافات لا يقبلها العقل.
تجاوز نقد المعري سلوك الأفراد ليصل إلى تأثيرهم الكارثي على المجتمع. فقد اعتبر أن كثرة النزاعات والخصومات بين هؤلاء أدت إلى إذكاء الصراع الفكري، مما تسبب في تفسخ عقائدي أبعد الناس عن سلطان العقل الحقيقي الذي يضبط أسس الحياة. لقد رأى كيف سخرت هذه الفئة الدين لمصالحها، وكيف أثلجت صدورها بجهل العوام، فنظر في مصادر ثقافتهم ليجدها مبنية على العرقية والانحراف الفكري. لقد سخر المعري علناً من كبار أقطاب المذاهب في عصره، معتبراً أن الكثير منهم يتخبط في ضلالته، محذراً من الزائف الذي شوه أخلاق المجتمع.
في المقابل، يذهب أنصار المرجعية الدينية التقليدية، كالإمام الغزالي لاحقاً في نقده للفلاسفة، أن الهجوم الجذري على رجال الدين والمؤسسة الفقهية بحجة وجود فساد فردي، قد يؤدي إلى هدم “المرجعية” التي تحفظ تماسك العوام. يجادل هذا التيار بأن المؤسسة الفقهية، رغم أخطاء بعض منتسبيها، تظل الدرع الواقي الذي يمنع انزلاق المجتمع نحو الفوضى والعدمية والهرطقة التي قد تنتج عن ترك الحبل على غاربه للعقول الفردية لتفسير الدين بلا ضوابط مؤسسية.
إن نقد المعري للتدين الزائف يظل معياراً خالداً لفرز الإيمان الحقيقي عن ذلك الذي يُتخذ تجارة رابحة على حساب عقول البسطاء.
Social Links: