الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية: بين الوعد الليبرالي والأفق الماركسي”<br>في التأطير النظري

الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية: بين الوعد الليبرالي والأفق الماركسي”
في التأطير النظري

حسن او الحاج


موضوع “الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية: بين الوعد الليبرالي والأفق الماركسي”
في التأطير النظري

تُعدّ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية من أكثر المفاهيم حضوراً في الخطاب السياسي المعاصر. فلا يكاد يوجد تيار فكري أو حزب سياسي أو حركة اجتماعية إلا ويعلن تبنيه لهذه القيم ويدّعي الدفاع عنها. غير أن الإجماع على الألفاظ يخفي وراءه اختلافاً عميقاً حول المعاني والمضامين والشروط التاريخية التي تجعل هذه القيم ممكنة أو مستحيلة. فالسؤال الحقيقي ليس من يؤمن بالحرية أو الكرامة أو العدالة الاجتماعية، بل كيف يفهمها؟ ولصالح من تُمارس؟ وفي أي إطار اجتماعي واقتصادي تتحقق؟
لقد تحولت هذه المفاهيم إلى ساحة صراع فكري بين المشاريع السياسية الكبرى، وفي مقدمتها الليبرالية والماركسية. فكل منهما يرفع شعارات الحرية والكرامة والعدالة، لكن كل منهما ينطلق من تصور مختلف للإنسان والمجتمع والدولة والسلطة.
ترى الليبرالية أن الإنسان فرد حر بطبيعته، وأن المهمة الأساسية للمجتمع والدولة هي حماية حريته من أي تدخل تعسفي. ولذلك تضع في مركز اهتمامها الحقوق الفردية، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، وحرية الاعتقاد، وحق الملكية الخاصة. ومن هذا المنطلق تُعرّف الحرية باعتبارها غياب الإكراه الخارجي، أي قدرة الفرد على التصرف وفق إرادته ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
غير أن هذا التصور يطرح إشكالاً جوهرياً. فهل تكفي الحرية القانونية لكي يكون الإنسان حراً بالفعل؟ وهل يصبح العامل الذي لا يملك سوى قوة عمله حراً لمجرد أن القانون يعترف له بحق التعاقد؟ وهل تكون حرية الصحافة متحققة فعلاً إذا كانت وسائل الإعلام الكبرى مملوكة لقوى اقتصادية محددة؟ هنا يتدخل النقد الماركسي ليكشف الحدود الاجتماعية للحرية الليبرالية.
فالماركسية لا تنطلق من الفرد المعزول، بل من الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً يعيش داخل علاقات إنتاج تحدد موقعه في المجتمع. ومن هذا المنظور لا يمكن فهم الحرية بمعزل عن الشروط المادية التي تسمح بممارستها. فالإنسان الجائع أو العاطل أو المحروم من التعليم والعلاج لا يستطيع أن يمارس حرياته بنفس الدرجة التي يمارسها من يمتلك الثروة والسلطة والمعرفة.
لهذا تميز الماركسية بين الحرية الشكلية والحرية الفعلية. فالحرية الشكلية تعني الاعتراف القانوني بالحقوق، أما الحرية الفعلية فتعني امتلاك الشروط المادية التي تجعل هذه الحقوق قابلة للممارسة. ومن هنا يصبح الصراع ضد الاستغلال الاقتصادي جزءاً من معركة الحرية نفسها، وليس قضية منفصلة عنها.
وينطبق الأمر ذاته على مفهوم الكرامة. ففي التصور الليبرالي ترتبط الكرامة أساساً بالاعتراف القانوني بالفرد وبمساواته أمام القانون. أما في التصور الماركسي، فإن الكرامة لا تنفصل عن ظروف الحياة الملموسة. فكيف يمكن الحديث عن كرامة الإنسان في ظل البطالة والتهميش والفقر والسكن غير اللائق والعمل الهش؟ إن الكرامة ليست مجرد قيمة أخلاقية أو مبدأ دستوري، بل هي أيضاً علاقة اجتماعية تتجسد في شروط العيش والعمل والمشاركة في الثروة الجماعية.
أما العدالة الاجتماعية فتشكل نقطة الاختلاف الأكثر وضوحاً بين المشروعين. فالليبرالية التقليدية ترى أن العدالة تتحقق عندما تتساوى الفرص أمام الجميع وتُحترم قواعد المنافسة الحرة. أما الماركسية فتعتبر أن المساواة في الفرص لا تكفي إذا كانت الثروة ووسائل الإنتاج محتكرة من قبل أقلية. فالمنافسة بين من يملك كل شيء ومن لا يملك شيئاً ليست منافسة عادلة مهما كانت القوانين محايدة.
ومن هنا تنظر الماركسية إلى العدالة الاجتماعية باعتبارها مرتبطة بإعادة توزيع الثروة والسلطة معاً، وليس فقط بضمان تكافؤ الفرص. فاللامساواة ليست مجرد نتيجة لفروق فردية في الجهد أو الكفاءة، بل هي أيضاً نتيجة لبنية اجتماعية تنتج الامتيازات وتعيد إنتاجها عبر الأجيال.
غير أن التجربة التاريخية أظهرت أن اختزال الحرية في العدالة الاجتماعية يحمل بدوره مخاطر كبيرة. فقد رفعت أنظمة عديدة شعارات المساواة وتحرير الإنسان من الاستغلال، لكنها انتهت إلى تقييد الحريات السياسية واحتكار السلطة باسم الشعب أو الطبقة العاملة. وهنا برزت مفارقة جديدة: فكما أن الحرية دون عدالة قد تتحول إلى امتياز للأقوياء، فإن العدالة دون حرية قد تتحول إلى وصاية واستبداد.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تاريخ الصراع بين الليبرالية والماركسية هو أن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ليست قيماً متعارضة بالضرورة، بل أبعاد مختلفة لتحرر الإنسان. فالحرية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية تحميها من هيمنة المال، والعدالة تحتاج إلى فضاء ديمقراطي يحميها من هيمنة البيروقراطية، والكرامة تحتاج إلى كليهما معاً.
لذلك فإن التحدي السياسي والفكري في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتمثل في الاختيار بين الحرية والعدالة الاجتماعية، بل في البحث عن صيغة تاريخية تجعل منهما شرطين متكاملين لتحرير الإنسان. فالمجتمع الذي يملك الحرية دون عدالة يبقى منقسماً بين أقلية مهيمنة وأكثرية مهمشة، والمجتمع الذي يملك العدالة دون حرية يبقى معرضاً لخطر تحويل الدولة إلى وصي على المجتمع.
وبين هذين الحدين يظل سؤال التحرر الإنساني مفتوحاً: كيف نبني مجتمعاً يكون فيه الإنسان حراً لأنه كريم، وكريماً لأنه حر، وعادلاً لأنه يرفض أن تُبنى حرية البعض على حرمان الآخرين؟
يتبع
Bouali Belmezian
Aziz Sabere
Khadija Albadil

  • Social Links:

Leave a Reply