السؤال ليس خيانة، بل بداية الدولة

السؤال ليس خيانة، بل بداية الدولة

مطيع اتاسي


سمعت الرئيس أحمد الشرع يقول: نحن لا نجرب بعضنا، وهل شبعنا تجريب؟
وهذا كلام فيه ما يستحق الاحترام.
بل إن فيه، في لحظة سورية متعبة ومكسورة، شيئا من الحكمة الهادئة التي يحتاجها بلد خرج من خمسين سنة من الاستبداد، ومن حرب حرثت الأرض والبشر معا.
وحين يقول إن الحرية لا يجب أن تتحول إلى طائفية، ولا إلى عشائرية، ولا إلى تخوين، فلا أملك إلا أن أرفع له القبعة.
لأن هذه اللغة، في أصلها، ضرورية، بل واجبة، إذا كنا نريد فعلا أن نمنع سوريا من السقوط مرة أخرى في جحيم الجماعات والخوف والانتقام المتبادل.
لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر.
تبدأ حين تتحول التهدئة إلى طلب صمت.
وحين يُقال لنا، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة: لا تسألوا عن كل شيء.
لا تسألوا عن الاستثمارات،
ولا عن القرارات،
ولا عن الوزراء،
ولا عن تفاصيل ما يجري،
ولا عن كيفية اتخاذ القرار،
ولا عن معايير التعيين،
ولا عن معنى هذا التوجه أو ذاك.
هنا لا يعود الكلام تهدئة حكيمة، بل يصبح مدخلا خطيرا لإعادة إنتاج ما خرجت سوريا عليه أصلا.
إذا لم نسأل، نكون قد خنّا سوريا نفسها.
خنّا الفكرة التي دفع الناس أثمانا هائلة من أجلها.
خنّا المعنى الذي يجعل الدولة دولة، لا مزرعة جديدة بلغة ألطف.
إذا لم نسأل عن كل شيء، فنحن لا نحمي الاستقرار، بل نعيد فتح الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الخراب القديم.
السكوت ليس حكمة دائما.
وأحيانا يكون السكوت هو الاسم المهذب للهزيمة.
لقد عاشت سوريا نصف قرن تقريبا داخل نظام لا يجيب.
نظام يتكلم باسم الشعب، ولا يسمع الشعب.
يصدر القرار، ثم يعتبر مجرد السؤال عنه قلة أدب، أو تشويشا، أو خيانة، أو جهلا.
وكانت النتيجة أن الدولة تحولت، مع الوقت، إلى بنية مغلقة لا تعرف كيف تبرر نفسها، لأنها لم تتعود أصلا على المحاسبة، ولا على الشرح، ولا على مخاطبة الناس بوصفهم مواطنين.
وهذا هو السبب الذي يجعل السؤال اليوم ضروريا أكثر من أي وقت مضى.
ليس لأن السوريين شعب يحب الاعتراض لمجرد الاعتراض، بل لأنهم خرجوا من تجربة طويلة كانت فيها الدولة كلها مبنية على منع السؤال.
وحين يُطلب من الناس الآن أن يثقوا من دون أن يسألوا، فإنهم يسمعون، في العمق، صدى التجربة القديمة نفسها، حتى لو تغيرت النبرة، وتبدلت الكلمات، وهدأ الصوت.
الدولة لا تُبنى بالثقة العمياء.
ولا تُبنى على حسن النية وحده.
ولا على عاطفة الحاكم، مهما كانت صادقة.
الدولة تُبنى حين يعرف المواطن ماذا يجري باسمه، وكيف، ولماذا، ومن قرر، وعلى أي أساس، وما هي النتائج، ومن يُحاسَب إذا أخطأ.
السؤال لا يهدد الدولة.
السؤال يراقب السلطة.
وحين يُعامل السؤال بوصفه تهديدا، تكون السلطة قد خلطت نفسها بالدولة، وهذه هي بداية الخراب القديم نفسه.
في الدول المحترمة، لا يخرج كل مسؤول ليفسر على هواه، ولا يُترك الشارع للتخمين والشائعات والتسريبات.
هناك ناطق رسمي.
هناك مؤسسات تشرح.
هناك من يجيب يوميا عن أسئلة الناس بوضوح ورصانة ومسؤولية.
هناك اعتراف بأن المواطن ليس تابعا يتلقى، بل شريك يفهم، ويسأل، ويحاسب.
أما أن يُطلب من الناس أن يهدأوا فقط، وأن يثقوا فقط، وأن ينتظروا فقط، فهذه ليست إدارة حديثة للدولة، بل استدعاء ناعم لثقافة الطاعة القديمة.
لقد تحدث الرئيس عن طريقين: الاقتصاد والاستقرار.
وأنا أتفق معه تماما في أهميتهما.
فالبلد الجائع لا يستطيع أن يحمل سياسة،
والبلد المنفجر لا يستطيع أن يحمل اقتصادا.
لكن هناك طريقا ثالثا لا يقل أهمية عنهما، بل ربما يضمن لهما المعنى والاستمرار، وهو: بناء المؤسسات الوطنية.
وأنا هنا لا أتكلم، بالضرورة، عن الديمقراطية بمعناها الكبير، ولا عن الحوار الوطني بمعناه الكامل، رغم أهمية الاثنين.
أنا أتكلم عن شيء أبسط وأعمق في الوقت نفسه:
أن نبني مؤسسات لا تعترف بالحاكم بقدر ما تعترف بالوطن.
مؤسسات لا تتبع حزب الحاكم، بل تتبع الدولة.
ولا تتشكل على صورة الرجل الذي يجلس في الأعلى، بل على صورة المصلحة العامة.
مؤسسات تستمر إذا تغير الوزير، وإذا تغير الرئيس، وإذا تبدلت الحكومة، لأنها ليست ملكا لأحد، بل ملك لوظيفتها.
هذه هي النقطة التي فشلنا فيها دائما.
كانت الدولة، في كل مرة، تُختزل في الحاكم.
الوزارة تُدار على مزاجه.
القضاء يتنفس من خوفه.
الإدارة تنظر إلى صورته لا إلى القانون.
والنتيجة أن كل سقوط للحاكم كان سقوطا للدولة معه، لأن الدولة لم تكن قد بُنيت أصلا على شيء يتجاوزه.
إذا كنا جادين في عدم تكرار التجربة، فالمطلوب ليس فقط أن نخفف الطائفية،
ولا فقط أن نضبط الحرية،
ولا فقط أن نفتح باب الاستثمار،
بل أن نبني جهازا وطنيا يحترم نفسه لأنه مرتبط بالقانون، لا بالمزاج،
وبالمؤسسة، لا بالشخص،
وبالوظيفة العامة، لا بالولاء.
المواطن الذي لا يُجاب عن أسئلته لا يشعر بالاحترام، بل يشعر أنه عاد مرة أخرى إلى موقع الرعية.
وهذه أخطر لحظة في أي انتقال:
أن تتغير اللغة، بينما يبقى موقع المواطن كما هو، في الأسفل، يصفق حين يُطلب منه التصفيق، ويسكت حين يُطلب منه السكوت.
سوريا لا تحتاج اليوم فقط إلى خطاب يهدئ الناس،
بل إلى دولة تعلم أن تهدئة الناس الحقيقية لا تأتي من مطالبتهم بالصبر وحده،
بل من احترام عقولهم،
ومن حقهم في المعرفة،
ومن حقهم في مراقبة القرار،
ومن حقهم في أن يعرفوا ماذا يُفعل باسمهم، وكيف، ولماذا.
إذا لم نسأل، فلن نبني وطنا.
وإذا لم يُجِب المسؤول، فلن نبني دولة.
وإذا لم نبنِ مؤسسات وطنية مستقلة عن الأشخاص، فسنظل ندور في الحلقة نفسها، مهما تغيّرت الأسماء والوجوه والشعارات.
ولهذا، فالسؤال ليس خيانة.
السؤال هو بداية الدولة.
والدولة التي تخاف من السؤال، أو تراه عبئا، أو تؤجله كل مرة بحجة التهدئة، ليست بعدُ دولة واثقة من نفسها، بل سلطة ما تزال تخشى أن يُمسّ جوهرها.
هذا، في رأيي، هو الاختبار الحقيقي.
ليس فقط أن نقول إننا لا نريد أن نجرب بعضنا مرة أخرى،
بل أن نثبت، عمليا، أننا لا نريد أن نجرب على سوريا مرة أخرى. See less

  • Social Links:

Leave a Reply