الوعي الطبقي في زمن صناعة الوعي الوهمي وهيمنة الخوارزميات الرقمية

الوعي الطبقي في زمن صناعة الوعي الوهمي وهيمنة الخوارزميات الرقمية

د. سمير منصري.

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في آليات إنتاج الوعي الاجتماعي والسياسي. فمع الثورة الرقمية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها تحتكر تشكيل الرأي العام، بل برزت الخوارزميات الرقمية بوصفها أدوات جديدة قادرة على توجيه السلوك الجماعي وصناعة التصورات والأفكار. وفي هذا السياق، يطرح سؤال الوعي الطبقي نفسه بإلحاح: كيف يمكن للإنسان أن يدرك موقعه الاجتماعي ومصالحه الحقيقية في زمن يُعاد فيه تشكيل الوعي عبر تقنيات رقمية متطورة؟

من منظور ماركسي، يرتبط الوعي الطبقي بإدراك الطبقات الكادحة لشروط استغلالها ولمصالحها التاريخية المشتركة. غير أن الرأسمالية الرقمية المعاصرة طورت أشكالاً جديدة من الهيمنة الثقافية والفكرية تتجاوز الدعاية التقليدية. فالخوارزميات لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تنتقيها وتصنفها وتعيد إنتاجها بما يضمن بقاء المستخدم داخل فضاء فكري مغلق، يعرف بـ”فقاعة المعلومات”. وهكذا يصبح الفرد محاصراً بمحتوى يؤكد قناعاته المسبقة ويحد من قدرته على التفكير النقدي.✓

لقد تحدث الفيلسوف الماركسي الإيطالي الرفيق العظيم:

أنطونيوغرامشي عن مفهوم الهيمنة الثقافية*، أي قدرة الطبقات المهيمنة على جعل أفكارها تبدو طبيعية ومقبولة لدى الجميع. واليوم يمكن النظر إلى الخوارزميات بوصفها شكلاً جديداً من هذه الهيمنة، حيث تتحول البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي إلى وسائل لإعادة إنتاج القيم الاستهلاكية والفردانية وإضعاف أشكال النقد العقلي

إن التحدي المركزي أمام الوعي الطبقي اليوم يتمثل في بناء ثقافة نقدية قادرة على كشف آليات التلاعب الرقمي، وتطوير مهارات التحقق من المعلومات، وفهم المصالح الاقتصادية والسياسية الكامنة وراء تدفق المحتوى الإلكتروني. فكلما ازداد وعي الأفراد بالبنية الاقتصادية التي تتحكم في المنصات الرقمية، زادت فاعلية الوعي الزائف الذي يسعى إلى تحويل المواطنين إلى مجرد مستهلكين أو متلقين سلبيين.

في النهاية، لم يعد النضال من أجل الوعي الطبقي مقتصراً على مواقع العمل والإنتاج فحسب، بل امتد إلى الفضاء الرقمي نفسه. فالمعركة المعاصرة تدور أيضاً حول من يملك البيانات، ومن يحدد ما نراه ونقرأه، ومن يصوغ إدراكنا للعالم. وبين إمكانات التحرر وإمكانات الهيمنة، يبقى الوعي النقدي أداة أساسية لمقاومة كل أشكال التضليل وصناعة الوهم الجماعي.

=-

ضد الإمبريالية

  • Social Links:

Leave a Reply