مذكرات أم

مذكرات أم


بقلم: حورية صالح قويدر

أحيانًا، حين يهدأ صخب السنوات، تجلس الأم وحدها أمام ذاكرتها… فتفتح دفاتر قديمة لم تكن تملك وقتها رفاهية التأمل. تتذكر صوتها المرتفع، دمعتها المخنوقة، تعبها، وخوفها على أولادها، ثم تتوقف طويلًا عند لحظات كانت فيها القسوة أقرب من الحنان.
الأم لا تُولد كاملة، بل تتعلم الأمومة وهي تركض بين التعب والمسؤوليات والقلق. وكثير من الأمهات ربّين أبناءهن بالطريقة التي عرفنها، معتقدات أن الشدة تصنع أبناء أقوياء، وأن الضرب أحيانًا وسيلة تربية لا جرح. لم يكن في قلوبهن كره، بل خوف وحيرة وعجز عن إيجاد طريقة أخرى.
لكن ما أجمل القلب حين يراجع نفسه بعد السنين. وما أصدق الأم التي يؤلمها اليوم أنها جرحت أبناءها يومًا، ولو دون قصد. هذا الوجع ليس دليل قسوة، بل دليل إنسانية حيّة وضمير لا يزال نابضًا بالمحبة.
ليس المطلوب من الأم أن تعود إلى الماضي لتغيّره، فالماضي لا يعود، لكن بإمكانها أن تمنح أبناءها اليوم شيئًا عظيمًا: الحنان الذي نضج، والكلمة الطيبة، والاعتذار الصادق أحيانًا، والدعاء الذي يخرج من قلب أم عرف معنى الندم والمحبة معًا.
الأبناء لا يتذكرون فقط الضرب أو القسوة، بل يتذكرون أيضًا من سهر لأجلهم، ومن تعب، ومن جاع ليشبعهم، ومن خاف عليهم من الحياة. ومع مرور العمر، يفهم الكثير منهم أن أمهاتهم لم يكنّ ملائكة، بل نساء متعبات حاولن أن يربّين أبناءهن بما استطعن.
لا تعذبي قلبك كل يوم بفكرة: “ليتني أعود إلى الوراء”. يكفي أنك اليوم أكثر وعيًا ورحمة. يكفي أن قلبك صار ألين، وأنك حين ترين حفيدًا يُحتضن بدل أن يُضرب، تتمنين لو أن الحنان كان أوفر في زمنك. هذا بحد ذاته رحلة جميلة من النضج والمحبة.
كل أم أخطأت في شيء وأصابت في أشياء كثيرة. والأم التي يؤلمها ماضيها، هي غالبًا أم أحبّت أبناءها أكثر مما استطاعت التعبير عنه.

  • Social Links:

Leave a Reply