روضة محمد رضوان
“قد تنقذ المساعدة إنسانًا من الجوع، لكن التعليم والعمل ينقذانه من الحاجة.”
قبل سنوات، في مدينتي الحالية عنتاب، كانت إحدى جاراتي تنتظر موعد توزيع السلة الغذائية كما ينتظر كثيرون ممن أثقلت الحرب كاهلهم. كانت المساعدة بالنسبة إليها وسيلة للبقاء، فهي لا تكاد تكفي أسرتها أكثر من أسبوع، أو عشرة أيام في أفضل الأحوال، ثم تبدأ رحلة البحث عن أي مصدر يسد بقية احتياجاتهم. كانت أسرة متوسطة الحال، لكن راتب زوجها لم يعد يكفي لمواجهة الغلاء المتزايد وارتفاع الإيجارات وأسعار مستلزمات الحياة.
وذات يوم، اصطحبتها معي إلى أحد المراكز التي تقدم برامج التدريب المهني. هناك تعلمت تصفيف الشعر والعناية بالبشرة، وبدأت العمل بخطوات متواضعة من منزلها. ثم أخذ عملها يتوسع شيئًا فشيئًا، حتى أصبح لديها زبائن ودخل ثابت، قبل أن تؤسس مشروعها الصغير الذي وفر لها ولأسرتها حياة أكثر استقرارًا.
واليوم، لم تعد تنتظر موعد توزيع المساعدات، ولم تعد بحاجة إلى سلة غذائية بالكاد تكفي أيامًا قليلة، بل تركت مكانها لأسرة أخرى أشد حاجة. والأجمل من ذلك أنها أصبحت تدرب فتيات أخريات من جيرانها ومعارفها على المهنة نفسها، لتفتح أمامهن بابًا جديدًا نحو العمل والاستقلال.
لم تكن قصة جارتي مجرد تجربة فردية، بل كانت صورة مصغرة لما تحتاجه سوريا اليوم. فقد علمتني أن المساعدة قد تنقذ إنسانًا من أزمة، لكن بناء الإنسان هو وحده القادر على أن يصنع مستقبلًا مختلفًا له ولمجتمعه. فالفرق الحقيقي بين الإغاثة والتنمية لا يقاس بقيمة ما يُقدَّم، بل بالأثر الذي يتركه. فالمساعدة قد تنقذ حياة ليوم أو لشهر، أما المهارة فقد تغير حياة كاملة، وقد يمتد أثرها إلى عشرات الأشخاص من بعده.
لقد كانت المساعدات الإنسانية، خلال سنوات الحرب، شريان حياة لملايين السوريين. فقد أنقذت السلال الغذائية، والمساعدات النقدية، والخدمات الصحية والإيوائية، أسرًا كثيرةع من الجوع والتشرد، وكانت استجابة إنسانية لا غنى عنها في ظروف استثنائية.
لكن مع دخول سوريا مرحلة جديدة، يبرز سؤال لا بد من طرحه: هل يكفي أن نستمر في توزيع المساعدات، أم أن الوقت قد حان للانتقال من الإغاثة إلى التنمية؟
في الحقيقة، لا تعارض بينهما. فالإغاثة والتنمية ليستا خيارين متنافسين، بل مرحلتين متكاملتين في رحلة واحدة. تبدأ الرحلة بإنقاذ الإنسان عندما تشتد الأزمات، لكنها لا تكتمل إلا عندما يصبح قادرًا على الوقوف على قدميه، والإنتاج، والمساهمة في بناء مجتمعه. فالإغاثة تستجيب للحاجة العاجلة وتحفظ الأرواح، بينما تسعى التنمية إلى إزالة أسباب الحاجة من خلال الاستثمار في التعليم، والتدريب، واكتساب المهارات، وخلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة.
ولطالما آمنت بأن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه أي مجتمع هو الاستثمار في الإنسان. فالسلة الغذائية قد تطعم أسرة لشهر، أما مهنة يتقنها أحد أفرادها فقد تؤمن لها حياة مستقرة لسنوات. والمساعدة النقدية قد تخفف أزمة مؤقتة، أما التعليم والتدريب ودعم المشاريع الصغيرة فهي استثمار طويل الأمد في الإنسان وقدرته على صناعة مستقبله.
وحين ينتقل الإنسان من الاعتماد على المساعدة إلى الاعتماد على عمله، فإنه لا يغير حياته وحده، بل يترك مكانه لأسرة أخرى ما زالت في أمسّ الحاجة إلى الدعم. وهكذا تصبح التنمية أفضل شريك للعمل الإغاثي، لأنها تخفف الضغط على برامج المساعدات، وتتيح وصولها إلى من هم أكثر احتياجًا.
كما أن التنمية لا تمنح الإنسان دخلًا فحسب، بل تمنحه حرية الاختيار، واستقلال القرار، والثقة بالنفس، والإحساس بالكرامة. فالإنسان الذي يمتلك علمًا أو حرفة لا يملك مصدر رزق فقط، بل يملك القدرة على بناء مستقبله بجهده، بعيدًا عن الارتهان للحاجة أو انتظار ما يجود به الآخرون.
وفي المقابل، فإن الاعتماد الطويل على المساعدات، مهما كانت دوافعها إنسانية، يجعل المجتمعات أكثر هشاشة أمام المتغيرات. فبرامج الدعم قد تتوقف، والتمويل قد يتراجع، وأولويات الجهات المانحة قد تتغير، بينما تبقى احتياجات الناس مستمرة. أما المجتمع الذي يستثمر في الإنسان، ويعتمد على الإنتاج، ويطور موارده، فيكون أكثر قدرة على حماية استقلاله الاقتصادي والاجتماعي، ورسم مستقبله بنفسه.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة العمل الإنساني أو الاستغناء عن التعاون الدولي، فالمساعدات كانت ولا تزال ضرورة في أوقات الحروب والكوارث. لكن النجاح الحقيقي لأي برنامج إنساني لا يتمثل في بقاء المستفيد محتاجًا إليه، بل في أن يصل إلى اليوم الذي يستغني فيه عنه، ويصبح قادرًا على إعالة نفسه وأسرته بكرامة.
وهذا لا يعني أن التنمية يمكن أن تحل محل الإغاثة في جميع الأحوال، فهناك فئات ستبقى بحاجة إلى الحماية والدعم المستمر، مثل كبار السن، وذوي الإعاقة، والأيتام، ومن تعوقهم ظروفهم الصحية أو الاجتماعية عن العمل. فالهدف ليس أن تختفي المساعدات الإنسانية، بل أن يتناقص عدد المحتاجين إليها، وأن يبقى الدعم موجَّهًا لمن لا يملكون القدرة على العمل، بينما يجد القادرون فرصتهم في التعليم، والتدريب، والإنتاج. فالمجتمع العادل لا يقاس بحجم المساعدات التي يقدمها، بل بقدرته على تمكين أبنائه، مع الحفاظ على كرامة من سيبقون بحاجة إلى الدعم.
وفي سوريا، تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة. فكثيرًا ما يُختزل الحديث عن إعادة الإعمار في إعادة بناء الأبنية والطرق والجسور، بينما الحقيقة أن الإعمار يبدأ ببناء الإنسان. فما قيمة مدرسة حديثة إذا لم نجد معلمين مؤهلين؟ وما قيمة مصنع جديد إذا افتقرنا إلى الفنيين والمهندسين؟ وما جدوى المستشفيات إذا غابت الكفاءات التي تديرها؟
إن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن، والاستثمار فيه هو أول حجر في إعادة إعمار سوريا. فالتعليم ليس نفقة، بل استثمار في رأس المال البشري، والتدريب المهني ليس مشروعًا مؤقتًا، بل بوابة لاقتصاد أكثر إنتاجًا، ومجتمع أكثر استقرارًا.
ولا يمكن الحديث عن التنمية مع بقاء نصف المجتمع بعيدًا عن المشاركة فيها. فالمرأة التي تحصل على التعليم، وتتقن مهنة، وتؤسس مشروعًا، لا تغير حياتها وحدها، بل تسهم في تحسين مستوى أسرتها، وتعليم أطفالها، وتعزيز اقتصاد مجتمعها. ولذلك فإن تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل استثمار في مستقبل الوطن كله.
إن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة التي تغرس قيمة العمل والاجتهاد، وتمر بالمدرسة والجامعة ومراكز التدريب، وتكتمل بسياسات اقتصادية تشجع الإنتاج، وقطاع خاص يخلق فرص العمل، ومجتمع مدني يجعل التنمية ثقافة راسخة لا مشروعًا مؤقتًا.
لقد علمتنا سنوات الحرب كيف ننجو، أما المرحلة القادمة فيجب أن تعلمنا كيف نبني. ولن يكون مستقبل سوريا مرهونًا بعدد المساعدات التي تصل إليها، بل بعدد العقول التي تتعلم، والأيدي التي تعمل، والمشروعات التي تنتج، والفرص التي تمنح الإنسان القدرة على الاعتماد على نفسه.
أتطلع إلى اليوم الذي تصبح فيه مراكز التدريب المهني أكثر ازدحامًا من مراكز توزيع المساعدات، وأن نرى طوابير الشباب أمام الجامعات والمعاهد والمصانع الجديدة بدل طوابير انتظار السلال الغذائية. يومها لن يكون ذلك دليلًا على انتهاء الحاجة فحسب، بل على بداية نهضة حقيقية يقودها السوريون بعلمهم، وعملهم، وإيمانهم بقدرتهم على بناء وطنهم.
فالأوطان لا تُبنى بما يُمنح لها، بل بما ينتجه أبناؤها من علم، وعمل، وإبداع. وقد تنقذ المساعدة الإنسانية أسرة من الجوع اليوم، لكن التعليم، والمهارة، والعمل، قد ينقذان وطنًا بأكمله غدًا. ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان ليس خيارًا تنمويًا فحسب، بل هو الطريق الأقصر إلى الكرامة، والاستقلال، وبناء وطن قادر على النهوض مهما كانت التحديات.

Social Links: