د شهد صالحة
في أتون التّحوّل من «الثّورة» كقيمة أخلاقيّة إلى «السّلطة» كفعل تقنيّ، تبرز أزمة «تقزيم الثّورة» في أبشع صورها تحت مسمّى «الواقعيّة السّياسيّة». لقد وقف «الثّعلب الأحمر» الأمريكيّ مبتهجا بتحوّل الجولانيّ إلى رجل «براغماتيّ» يجيد ملاعبة السّياسة الدّوليّة، بعد سنوات من استهلاك الخطاب التّعبويّ والشّرعيّة الدّينيّة.
لكنّ المفارقة المأساويّة لم تكن في تحوّل القائد فحسب، بل في «جمهور الصّفقة» الّذي هلّل لهذه «البرغمتة» دون إدراك كنهها؛ إذ غدا تذويب الثّوابت في نظرهم ذروة النّضج السّياسيّ.
إنّنا أمام «تبعيّة معرفيّة» مكتملة الأركان، تعيد صياغة الهزيمة في قالب الانتصار الوهميّ. إنّ تلوّث الذّات الثّوريّة يبلغ ذروته حين يصفّق الجمهور لزعيم يمارس «الملاعبة» السّياسيّة بأدوات الخصم ومنطلقاته؛ فهذا التّصفيق هو إعلان ضمنيّ عن ضياع النّهج وتلوّث الفكرة الأصليّة. لقد أصبح «الثّوريّ» يمارس «الاستلاب» ضدّ نفسه وضدّ تاريخه، محوّلا الموارد البشريّة من أصحاب قضيّة وجوديّة إلى أرقام في معادلة دوليّة يقودها «الثّعلب الأحمر». إنّ «البرغمتة» في هذا السّياق ليست تطويرا للأدوات، بل هي «انتحار للغايات»، وسقوط مدوّ في فخّ التّبعيّة المعرفيّة الّذي يجعل التّابع يرى في تقزيمه ذكاء، وفي استلابه انتصارا موهوما.
تتأسّس هذه التّبعيّة على سيطرة العقل الأحاديّ والمنهج الكمّيّ؛ حيث يختزل النّصر في «البقاء الفيزيائيّ» والمكاسب المادّيّة الملموسة، ويهمّش الإنسان وروحه وقضيّته العادلة. هذا العقل لا يرى في السّياسة إلّا أرقاما، وفي الكوادر البشريّة إلّا أدوات وظيفيّة، ممّا يماهي تماما بين التّقزيم الرّأسماليّ والتّقزيم التّنظيميّ. في هذا الفضاء، يتمّ اختطاف مصطلح «البراغماتيّة» ليصبح ستارة سميكة تخفي خلفها ميكافيلّيّة فجّة تقوم على مبدإ «الغاية تبرّر الوسيلة». هذا التّغطّي بالبراغماتيّة هو «الذّريعة» الّتي يشرعن بها تلوّث النّهج الثّوريّ، ويبرّر بها الارتهان للمال السّياسيّ والشّلليّة الّتي تقتات على أنقاض الحلم السّوريّ.
التّقزيم لم يكن حالة طارئة، بل تمّ عبر تحويل الثّورة من مطالبة بالحقوق السّياسيّة والمدنيّة إلى مطالب بروتوكولات الإعانة. فبعد أن كان النّهج الثّوريّ يقوم على التّحرّر والعدالة وتثمين الإنسان، تسلّلت إليه أدوات «التّقزيم الرّأسماليّ» عبر بوّابتين خطيرتين:
• تلوّث الفكرة بالمال السّياسيّ: لقد تحوّل المال السّياسيّ إلى «مادّة ملوّثة» أفسدت طهارة النّهج الثّوريّ، وتصدّرت تركيا ودول الخليج والبنتاغون الأمريكيّ كداعم للمؤسّسات الخيريّة والفصائل الّتي تتقاتل؛ فحيثما وجد المال السّياسيّ، ضاعت الاستقلاليّة، وتغيّرت بوصلة الموارد البشريّة من «بناء الإنسان» إلى «شراء الولاءات».
هذا التّلوّث حوّل الكادر الثّوريّ من صاحب قضيّة إلى «أجير» في منظومة تخدم مموّليها، ممّا أعاد إنتاج الرّأسماليّة في أقبح صورها تحت ستار الثّوريّة.
• الشّلليّة كفيروس مؤسّساتيّ: تمثّل.

Social Links: