سورية : لامن حتمية خارجية دون أرضية داخلية للتغيير

سورية : لامن حتمية خارجية دون أرضية داخلية للتغيير

د. منذر ابومروان اسبر

( حوار مع صحيفة المسار السورية )

طرحت صحيفة المسار السورية في عددها رقم ١١٤ ، شهر تموز 2026 افتتاحية بعنوان ” عندما يكرر الامريكان القول أنهم أسقطوا النظام ” ، لتبدأ بتناول نشوء الديكتاتورية الأسدية باعادتها إلى عدة عوامل : التوافق الأمريكي – السوفياتي الدولي على ازاحة نظام 23 شباط برفضه القرار 242 بعد حرب 1967 ، ومشروع السادات الاقليمي مخالفا بذلك اليسارية الناصرية ، واخيرا ” النقمة الداخلية السورية لدى الفئات الغنية والطبقات الوسطى” ضد الاجراءات اليسارية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة لحركة 23 شباط نفسها .

ولكن الصحيفة ترى أن الأمر مختلف مع تبوء هيئة تحرير الشام السلطة في سورية ” كانتفاضة حركة عسكرية ضد نظام آيل للسقوط ” و”بغطاء أمريكي”، لهذا تقول ” ليس بامكان احد القول انه تغيير سوري وان لاقى تأييدا شعبيا كبيرا “

ان حوارنا مع الصحيفة يتعلق بطبيعة هذا التغيير وبالتالي لايمكن اعتباره مجرد حركة عسكرية تقليدية ،بقدر ما انها فصائل مسلحة مصنفة دوليا على قوائم الارهاب ، ذات مشروع جهادوي اسلامي سلفي يتخطى الحدود الوطنية السورية وضد الانتقال الديمقراطي التشاركي بما بعيد إنتاج الاستبداد ..

صحيح أن مجلس الامن قد رفع الصفة الارهابية عن احمد الشرع ، ولكن هيئة تحرير الشام مازالت مدموغة بالارهاب وسورية لم تعرف معها الأمن والسلام الاهلي مع الانتهاكات الجسيمة الدامية لحقوق الانسان رجالا ونساء واطفالاابرياء في الساحل والسويداء بوجه خاص

أن فضاء الحوار مع صحيفة مسار يفتح طرح مسألة اساسية مفصلية بين سورية القديمة والحدبثة بتغليب العامل الخارجي عندما تقول :

” يجب علينا ان نعترف أن البريطانيين هم صانعوا جلاء الفرنسيين عام 1946″

ثمة أن التحليل التاريخي يفرض العودة الى نضالات الشعوب . فلقد كانت هناك أرضية داخلية للاستقلال تمثلت بالثورات السورية في الساحل وجبل الزاوية وجبل العرب وبالانتفاضة الدمشقية ضد قصف البرلمان السوري ، وبكتلة وطنية موحدة القيادة والسياسة والعمل .

بكلمة لم بهبط الاستقلال من الخارج ، بما يجعلنا نؤكد المعادلة التاريخية التالية :

الاستقلال = ثورات شعبية مناطقية وطنية + كتلة وطنية موحدة +قيادة وطنية واحدة + تناقضات استعمارية دولية موظفة وطنيا .

ويمكن أن نرى هذا على مستوى آخر ضد الديكتاتورية الشيشكلية . فاذا كانت قد تمت كانقلاب عسكري ” بدفع خارجي” فلقد تميز التخلص منها بوجود أرضية داخلية مناهضة .

أنها أرضية الاحزاب السياسية اليسارية واحزاب الوسط واليمين و المجموعات المستقلة المعارضة والرفض الشعبي لها ، وتوافق مؤتمر حمص الوطني عام 1954 لانهائها ، وبالتالي تخلي الداعمين الخارجيين عنها .

التاريخ يحفل بالامثلة كتخلي بريطانيا عن دعم النظام الخديوي على اثر النقمة الشعبية -العسكرية لهزيمة 1948 وقيام الثورة الناصرية عام 1952. او عدم أنقاذ أمريكا محمد مرسي عام 2013 مع التظاهرات العارمة وتحرك القيادة العسكرية لانهاء حكمه ( مذكرات هيلاري كلنتون) .

نستخلص وجود قاعدة في العلاقات الدولية ؛طبقت على النظام الأسدي نفسه مع قيام المعارضة المستمرة ضده وصولا الى الانتفاضة الشعبية ؛ وهي أن الخارج يتخلى عن نظام يدعمه بوجود أرضية داخلية قوية ضده .

و حوارا ،نطرح ان “مسار” تدخل في مراهنة مزدوجة ، الأولى عندما تقول ” اذا كانت هناك أطراف اقليمية مثل تركيا تريد حكما أسلاميا أو جعل دمشق تابعة لانقرة “على غرار تبعية بغداد لطهران ، فإن تركيا لن تنجح في مسعاها ، لماذا ؟

” بسبب حائط السد الدولي في واشنطن وموانع الرياض والقاهرة واسرائيل “

ولكن اين هو الحائط الأمريكي في وجه حكم الإسلام -السياسي الاردوغاني في انقره ؟ واين هو في وجه الحكم الصهيوني -الديني في تل ابيب ؟
ثم أين موانع بعض الدول عندما تتمحور مع الحكم الإسلامي في تركيا وباكستان ؟

اما المراهنة الثانية فتمتد إلى”سلطة المنتصر يقرر” لتقول الصحيفة : ” أن الوضع السوري لحاكمي دمشق الجدد لن يسمح لهم أن يقرروا رؤيتهم الايديولوجية الإسلامية ، بل على الأرجح سيتكيفون مع دفتر الشروط غير السوري ، وهم اثبُتوا منذ حكمهم في ادلب أنهم براغماتيون “.

وهنا فتشخيص الوضعية السوري يدلي بتفككها وطنيا واجتماعيا وسياسيا في حالة من تفاقم العنف والخوف والجوع تحت سيطرة فصأئل سلطة الفرد الحاكم .

ثم أين هذه التكيفات وبراغماتيتها ؟ اليست البراغماتية السياسية قبول الآخر المختلف ومشاركته في الانتقال التشاركي والبناء المشترك للدولة والوطن والمجتمع ؟

واذا وجدت البراغماتية الخارجية انفتاحا وعلاقات دبلوماسية وزيارات او استثمارات ، فهذا لايعني تخلي السلطة عن الايديولوجية الإسلامية كما نرى في تركيا او قطر أو باكستان .

هكذا فإن خطر اسقاط البراغماتية المنفتحة خارجيا على الوضع الداخلي المغلق على الحكم الفردي ، من شأنه تمكن السلطة في لداخل وتنفيذ دفترالشروط غير السورية في الخارج .

اخيرا تؤكد الصحيفة ” انه من الواضح لن ترسم اللوحة السورية الجديدة من خلال البعد الداخلي ” وانما ” عبر البعد الخارجي أساسا ،” اذن لم يعد هناك الا قدوم حتمية التغيير الخارجي .

لكننا لم نجد هذه الحتمية في تاريخ الشعب السوري الحديث بقدر مارأينا أن أي تغيير خارجي يتطلب أرضية داخلية له .

كما أن الخارج نفسه لايطرح هذه الحتمية بالنسبة له اذا اخذنا بعين الاعتبار ماتشير إليه الصحيفة حول القرار 2799 المتخذ عام ٢٠٢٥ بعد القرار 2455 من “أجل انتقال جامع وشامل ” لتقرير السوريين مصيرهم بايديهم .

تلك اذن مسؤولية السوريين في تحقيق الأرضية الداخلية للتغيير بتشكيل تحالف وطني عريض ، بغية اقامة مؤتمر وطني عام سيادي باتجاه الدولة الوطنية الديمقراطية التي اسستها سورية عام 1947 واستعادتها عام 1954 .

ولا تعرف الشعوب الا بما أسسته .


  • Social Links:

Leave a Reply