عودة أصالة … حين يغني الفن لسوريا التي تتسع للجميع

عودة أصالة … حين يغني الفن لسوريا التي تتسع للجميع


سوسن دحمان


هناك عودات لا تقاس بعدد السنوات التي غابها أصحابها عنها، فكأن يغطي على غيابهم بل يعيد ذلك المكان بذاكرته وبها يجعله خالداً نعم هو كذلك وقد لا أبالغ وربما كانت عودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق واحدة من هذه العودات.
بعد سنوات طويلة من الغياب عادت أصالة نصري إلى دمشق مدينتها لتقف من جديد على مسرح أمام جمهور سوري جاء ليستمع إلى صوت تعود عليه منذ سنوات لكن هذه المرة لم يأتوا ليستمعوا فقط بل لاعتبارات غنائية بل ليشاركوا في لوحة تحمل الكثير من المعاني، معنى العودة ومعنى الوطن ومعنى أن يلتف السوريون من جديد رغم كل ما فرق بينهم لم تكن عودة أصالة مجرد حفل فني.
كانت لحظة تمس جرحاً غائراً من سوريا التي تحاول أن تبدأ من جديد ففي بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والنزوح والفقد يصبح اجتماع الناس حول أغنية أكثر من مجرد ترفيه بل يصبح فرصة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية ونافذة صغيرة حول مستقبل يتسع فيه الاختلاف يسع للجميع.
وقد جاءت عودة أصالة في توقيت بالغ الحساسية بعد سنوات كانت فيها مواقفها السياسية سبباً في ابتعادها عن إطارها السوري فقد أعلنت دعمها للثورة عام 2011 وغابت عن جمهورها في سوريا حتى احتفلت دمشق بها مجدداً عام 2015 وفي حفل عودتها تحدثت عن أنها لم تكن غريبة فقد طالت ظلال السنوات في فلكة غريبة معتبرة أن دمشق كانت وطناً لها أيضاً وقالت إن عودتها جاءت من أجل السوري كما ربطت مرحلة التعافي بالفن والموسيقى.

  • أصالة لم تعد وحدها بل عادت ومعها جزء من الذاكرة
    منذ أن أطلت أصالة عالمسرح دمشق كانت قد اختارت أن تحمل معها سوريا بكل أطيافها. من إطلاق الألبوم السوري الذي يضم 14 أغنية من التراث الغنائي السوري في إشارة إلى المحافظات السورية الأربع عشرة واشتمل المشروع على ألوان موسيقية ولهجات وتراثيات من مناطق مختلفة من دمشق وحلب وحوران والسويداء إلى الساحل والجزيرة والبادية حاضراً إلى أغنية بالكردي.
    وما يكفي بالقصة من لافت أن تعود إلى دمشق بأغنية واحدة تختصر سوريا في لون واحد بل عادت ومعها أصوات سوريا المتعددة، بحيث تعيد الأغنية والعلاقات والمناسبات وهموم كل السوريين وتلامس حياتهم اليومية وتذكرهم بماضيهم الجميل الذي جمعهم رغم كل شيء. كأنها بذلك أرادت أن تقول للسوريين إن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا وأن الفن قادر على توحيدنا حتى بعد كل هذه السنوات من الانقسام.
  • عودة أصالة… هل هي عودة للفن السوري أم للمجتمع؟
    ربما يكون من المبكر الإجابة على هذا السؤال لكن ما حدث في حفل دمشق يشير إلى أن الفن يمكن أن يكون بوابة لشيء أعمق من مجرد الترفيه فقد أظهر الحفل أن السوريين ما زالوا قادرين على الفرح والتجمع حول شيء جميل رغم كل الجراح وأن الأغنية يمكن أن تكون مساحة للالتقاء والتصالح مع الذات ومع الآخر.
    عودة أصالة هي عودة للفن السوري بلا شك لكنها أيضاً رسالة أمل للمجتمع السوري رسالة تقول إننا قادرون على بناء مستقبل أفضل يتسع للجميع مستقبل يكون فيه الفن والموسيقى جزءاً من عملية التعافي وبناء السلام.
  • الفن لا يملك عصاً سحرية لكنه يملك مفتاح الذاكرة
    لا يظن أحد أن حفل غنائي واحد يمكن أن يمحو آثار حرب استمرت لسنوات طويلة فالفن لا يملك عصا سحرية لحل المشكلات المعقدة التي تواجه سوريا لكن الفن يملك شيئاً آخر لا يقل أهمية يملك مفتاح الذاكرة فهو قادر على إعادتنا إلى لحظات الفرح المشترك وإلى الإحساس بالانتماء إلى هوية واحدة.
    هذا ما فعلته أصالة في دمشق فقد أعادت فتح خزائن الذاكرة السورية وذكرت السوريين بأنهم يمتلكون تراثاً غنياً ومتنوعاً وأن هذا التراث يمكن أن يكون مصدر قوة لهم في بناء مستقبلهم.
    في غناء أصالة للتراث السوري كانت هناك رسالة واضحة مفادها أن سوريا لا يمكن اختزالها في لون واحد أو صوت واحد فالتنوع هو مصدر غناها وقوتها وهذه الرسالة هي التي يجب أن تصل إلى كل سوري في الداخل والخارج.
  • عودة أصالة… هل تفتح الباب لعودة آخرين؟
    عودة أصالة إلى دمشق تفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة عن إمكانية عودة فنانين ومثقفين آخرين غادروا سوريا خلال سنوات الحرب هل ستكون هذه العودة بداية لعودة أوسع؟ وهل ستكون دمشق قادرة على احتضان كل أبنائها مرة أخرى؟ على الرغم من كل التحديات التي تقف أمام ذلك التساؤل والظروف المحيطة وتطوراتها ومهما كان كبيراً وبعيداً ستبقى العودة هي الأمل الذي يراود الكثير من السوريين في كل مكان.
    لذلك يمكن أن تكون عودة أصالة بمثابة شرارة يمكن أن تشعل شعلة الأمل في عودة الكثيرين إلى وطنهم الأم عودة للذاكرة عودة للوطن.
    إن عودة أصالة ومن خلال الحفلات السورية ولا شك لكل غنائي أن يكون الكأس الذي يشرب منه الجميع لتعافي جروحهم وأن يكون مجرد الحفلات من أهم الأماكن التي يعود من خلالها الناس لبعضهم ويمكن أن يجتمع المختلفون على الكلمات التي تمس شغاف القلب السوري لأن أصالة قدمت في ألبومها الجديد 14 أغنية من مناطق مختلفة وكأنما تقول إن سوريا بما كان تحوي ما يحويه قلبها وأن كل منطقة تعني شيئاً للصورة الأكمل.
  • ربما تكون الأغنية أول الطريق –
    وهنا يمكن أن تبدأ القصة الجديدة ليست قصة نسيان الماضي بل قصة تحترم الذاكرة وتحفظ حقوق الضحايا وتسمح بالاختلاف وتفتح الباب أمام المصالحة وتضم الفن والثقافة ودورها في جمع ما فرقته الحرب.
    فإذا كان لا يستطيع الفن أن يصنع السلام وحده فإنه يستطيع أن يمهد القلوب لفكرة السلام وربما لا يستطيع أن يوحد السوريين وحده لكنه يذكرهم بأنهم قبل أن يكونوا مختلفين في الدين أو السياسة أو المنطقة أو الرأي كانوا وما زالوا أبناء وطن واحد.
    وحين يغني الوطن بأصواته كلها لا يعود الاختلاف مبرراً للفرقة بل يصبح لحناً جديداً في سيمفونية سوريا التي تتسع للجميع.

  • Social Links:

Leave a Reply