حين يُهدَّد بناء الدولة من الداخل

حين يُهدَّد بناء الدولة من الداخل

اكرم الصالحة

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري

أخطر ما يهدد بناء الدولة في مراحل التحول السياسي ليس فقط ما ترثه من الماضي، بل الطريقة التي تُدار بها المرحلة الجديدة. فحين تتداخل المصالح، ويتنافس النفوذ على مؤسسات الدولة، وتُقصى الكفاءات المستقلة، يصبح الانتقال السياسي مهددًا بأن يتحول من فرصة لبناء دولة جديدة إلى إعادة إنتاج لآليات قديمة بأدوات ووجوه مختلفة.

تتضح هذه المخاطر عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحة لتنافس شبكات النفوذ، بدل أن تكون مؤسسات عامة تعمل وفق القانون والمصلحة الوطنية. وفي هذه الحالة تتقاطع ثلاثة مسارات داخل المؤسسة:

أولًا: نفوذٌ قديم يتمسك بموقعه، ويحاول الحفاظ على شبكاته ومصالحه وإعادة إنتاج حضوره داخل مؤسسات الدولة.

ثانيًا: نفوذٌ جديد يسعى إلى التمكين والسيطرة على المؤسسة، ويتعامل معها باعتبارها مجالًا لبناء النفوذ، بدل أن تكون مؤسسة عامة تعمل وفق القانون والمصلحة الوطنية.

ثالثًا: كفاءةٌ حقيقية تُهمَّش لأنها لا تنتمي إلى أي شبكة نفوذ، ولا تملك غطاءً سياسيًا أو اجتماعيًا يحمي حضورها، رغم امتلاكها الخبرة والقدرة على إدارة المؤسسة وتطويرها.

المشكلة هنا ليست في وجود أشخاص من خلفيات مختلفة، وإنما في أن تتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها شبكات النفوذ، بدل أن تكون مؤسساتها قائمة على الكفاءة والقانون والمصلحة العامة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود تغيير الأشخاص كافيًا، لأن آليات إنتاج النفوذ تبقى قائمة، وقد يعاد توزيعها بين قوى جديدة من دون أن تتغير طبيعة السلطة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع ضوابط مؤسسية تحول دون احتكار النفوذ، وتحمي استقلال القرار العام، وتضمن أن تكون الكفاءة معيارًا لتولي المسؤولية. وفي مقدمة هذه الضوابط تأتي الرقابة الشعبية، إلى جانب المؤسسات الرقابية والقانونية، بوصفها عنصرًا أساسيًا في حماية مسار بناء الدولة.

فغياب الرقابة والمساءلة يفتح المجال أمام النفوذ القديم للاستمرار، والنفوذ الجديد للتمدد، بينما يدفع بالكفاءات المستقلة إلى مزيد من الهامش. أما الرقابة الشعبية، إلى جانب المؤسسات الرقابية والقانونية، فتضع حدودًا لممارسة السلطة، وتجعل القرار العام قابلًا للمساءلة، وتمنع احتكار المؤسسات من قبل أي شبكة أو جهة.

ولهذا، فإن الرقابة ليست تفصيلًا يأتي بعد بناء السلطة، بل جزء من بناء الدولة نفسها. فالإصلاح الذي لا يخضع للمساءلة قد يفقد تدريجيًا معناه، وقد تتحول أدوات الإصلاح إلى أدوات لتركيز السلطة بدل توزيعها وضبطها.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر: قد تبدأ السلطة بمشروع إصلاحي حقيقي، لكن غياب الرقابة والشفافية والمساءلة يترك الباب مفتوحًا أمام تحول السلطة إلى مركز مغلق، ومع الوقت قد يعيد هذا المركز إنتاج الاستبداد، حتى لو تغيرت الشعارات والوجوه.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع لبناء الدولة لا يكمن في سرعة تغيير الأشخاص، ولا في حجم القرارات التي تُتخذ باسم الإصلاح، وإنما في قدرة المؤسسات على مقاومة احتكار النفوذ، وحماية الكفاءة، وضمان خضوع أصحاب القرار للقانون والمساءلة. فبناء الدولة لا يتحقق بمجرد الانتقال من سلطة إلى أخرى، بل بإرساء قواعد تمنع إعادة إنتاج منطق السيطرة داخل المؤسسات.

فإذا كانت الدولة تريد أن تقطع مع الماضي، فعليها ألا تكتفي بتغيير من يحكم، بل أن تغيّر الطريقة التي تُمارس بها السلطة. وإذا كانت تريد أن تمنع إعادة إنتاج الاستبداد، فعليها أن تجعل الرقابة والمساءلة جزءًا أصيلًا من بنيتها، لا إجراءً مؤقتًا أو استثناءً سياسيًا.

الدولة تُبنى حين تكون المؤسسة أقوى من الأشخاص، والكفاءة معيارًا للمسؤولية، والنفوذ مقيدًا بالقانون، والسلطة خاضعة لرقابة المجتمع.


  • Social Links:

Leave a Reply