ايمان ابو عساف
خلدون النبواني ليس فيلسوفاً تفكيكياً بالمعنى الدريدي، بل هو فيلسوف حيّ لأنه لا يكتفي بتشريح الواقع ونقده، بل يسعى إلى تغييره. فلسفته لا تتوقف عند حدود الكشف والفضح، بل تمضي إلى ما هو أبعد: البناء. وهو يرى أن البناء بعد التفكيك “لا مناص منه”، لأن التفكيك الذي لا يثمر بناءً يتحول إلى “عطالة مفاهيمية” لا طائل منها.
التفكيك كأداة لا كغاية
التفكيك عند النبواني ليس غاية في ذاته، بل هو أداة تحريرية. هو عنده “عملية كشف تذهب للبحث فيما وراء السطح الظاهر للمعطيات والوقائع وللخطابات والنصوص والشعارات”. هدفه فضح “العطالة المفاهيمية” — تلك المفاهيم التي “صدأت وتحجّرت وتخشّبت بعد أن كانت عامل تقدم وثورة ونهوض في زمن مضى وانقضى”.
لكن النبواني لا يتوقف عند هذا الحد. يرى أن التفكيك الدريدي “يظل حبيس النصوص دون اقتراح أطر عملية للتغيير الاجتماعي”. لذلك يتوجه “لما وراء التفكيك أي نحو البناء بعد التفكيك، أي تقديم البدائل والحلول لما قد تبين أنه قد فسد أو لم يعد قابلاً للحياة”.
البناء كضرورة وجودية
البوصلة التي توجه مشروع النبواني هي “الحياة الكريمة للناس… وحريتهم وفتح المجال لهم لتحقيق ذواتهم”. من هنا، البناء ليس خياراً تالياً للتفكيك، بل هو ضرورة وجودية. التفكيك الذي لا يؤدي إلى تحسين حياة الناس يتحول إلى “لعبة لغوية” لا طائل منها.
تطبيق عملي — تفكيك مفهوم الوطن وإعادة بناءه
التفكيك: يكشف النبواني أن مفهوم الوطن في الفكر الجمعي السائد تحوّل إلى “سجن مفاهيمي يناسب بلاد الموت لا وطن الميلاد”. النظام السوري “دمج مفهوم الوطن بمفهوم الحاكم”، فصار “الاعتراض على سياساته خيانة كبرى للوطن تستحق الإعدام”. وهكذا تحوّل الوطن من “المكان الذي يحلّ فيه الإنسان” إلى “أرض للموت”.
البناء: يعيد النبواني تعريف الوطن انطلاقاً من دلالته اللغوية الأصلية: “المكان الذي يحلّ فيه الإنسان”، أي فضاء للحياة والحرية والتحقيق الذاتي، لا للأرض والموت. والخلاصة عنده: “فالمواطن هو أصل الوطن وليس العكس، الأول يخلق الثاني وليس العكس، وقيمة الإنسان فوق قيمة الوطن”.
المواطنة والعقد الاجتماعي — الترجمة العملية
المواطن الذي يؤسس لوطن ليس “الرعية” التي تطيع الحاكم، بل هو المواطن الفاعل الذي يمارس حريته، ويشارك في الحكم، ويخضع للقانون كغيره، ويقدّم الصالح العام. هذا المواطن هو من يخلق الوطن، لا العكس.
والعقد الاجتماعي هو الآلية التي تتحول بها هذه الأصالة إلى مؤسسات. يشترط النبواني أن يكون هذا العقد “بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار”، وليس بين رعايا وسلطة. وهنا يظهر التمييز الجوهري بين “دولة الرعايا” القائمة على الولاء للحاكم، و”دولة المواطنة” القائمة على الولاء للقانون والمشاركة مقابل الحقوق.
فصل الدين عن المجتمع — تحرير الإيمان
يذهب النبواني إلى ما هو أبعد من العلمانية المدرسية. هو لا يطالب بفصل الدين عن الدولة فحسب، بل “عن المجتمع أيضاً: تحرير الإيمان من سطوة المؤسسات”. الهدف هو أن يعود التدين إلى وضعه الطبيعي كخيار إيماني روحي، وبذلك يصبح الدين في مكانه المناسب حيث يؤدي دوره الروحي والأخلاقي منسجماً مع ماهيته.
هذا الفصل لا يعني العداء للدين، بل على العكس: “العلمانية تكفل ممارسة الدين” وتمنع “العودة إلى الاحتراب الديني”.
من الرعايا إلى المواطنين
مشروع النبواني هو مشروع هندسي متكامل: فصل الدين عن المجتمع يحرر الفرد ليكون مواطناً حراً، والعقد الاجتماعي الجديد هو الآلية التي يحوّل بها هؤلاء المواطنون حريتهم إلى مؤسسات، فتصبح “دولة الرعايا” حالة منتهية، و”دولة المواطنة” واقعاً ملموساً. وتبقى البوصلة دائماً: “الحياة الكريمة للناس وحريتهم”.

Social Links: