عندما يتواطأ اللون والضوء والقصيدة على هزيمة المألوف

عندما يتواطأ اللون والضوء والقصيدة على هزيمة المألوف

علي نفنوف..

ثمة مبدعون لا تسعهم خانة واحدة في تصنيفات الفن تضيق الكلمة برؤيتهم فيفرون إلى اللوحة، وتضيق المساحة البيضاء في لوحاتهم فيلوذون بالضوء والعدسة. الفنان والشاعر السوري علي نفنوف هو أحد هؤلاء المتمردين على القوالب الجاهزة. في تجربته، يذوب البرزخ الفاصل بين الفنون؛ لتصبح اللوحة لديه قصيدة صامتة، وتتحول القصيدة إلى مشهد بصري نابض بالريشة والمشاعر، وكأنه يعيد صياغة العالم من حوله بجرأة تفكك المألوف لتبحث عما وراء الأشياء.


ملامح من الدرب: من طرطوس إلى عوالم أوسع
في العشرين من أغسطس عام 1969، شهدت مدينة صافيتا الجبلية بطرطوس ولادة علي حسن نفنوف. تلك البيئة الممتدة بين خضرة الجبل وزرقة الساحل السوري لم تكن مجرد جغرافيا، كانت مخزوناً بصرياً أولياً شكل بصيرته وشغفه المبكر بالتأمل.
بدأ نفنوف رحلته مع الكلمة من بوابة الصحافة، حيث عمل كاتبا ومراسلاً صحفياً للعديد من الدوريات الثقافية والرسمية. هذا الاحتكاك المباشر بالناس والشارع قاده إلى الكاميرا، فأصبح التصوير الفوتوغرافي عينه الثالثة التي توثق نبض الحقيقة. ولم يكد يكتفي بالضوء، حتى جرفته الألوان إلى عالم الفن التشكيلي ليفجر فوق القماش ما عجزت عنه الكلمات.
تنقّل في محطات إبداعية عديدة، فهو عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا، وعضو نادي فن التصوير الضوئي (ورئيس فرعه الأسبق في طرطوس). كما أن نهمه لفهم النفس البشرية قاده للحصول على دبلوم في العلاج بالفن (Art Therapy). حمل نتاجه وشارك في أكثر من 60 معرضاً محلياً ودولياً، ولعل أبرزها مشاركته المتميزة في المعرض العالمي المخصص للمدرسة الانطباعية ومؤسسها “كلود مونيه”، قبل أن تنفتح تجربته على آفاق أكثر عالمية خلال فترة إقامته وعمله في دولة الإمارات العربية المتحدة (دبي).
أما على الصعيد الأدبي، فقد رفد المكتبة الشعرية بإصدارات لافتة تحمل قلق الأسئلة، منها ديوانه “امرأة من خريفها تزهر” و“عن ماذا تبحث أسئلتي”.
في محترفه التشكيلي: ريشة تهز ركود الطمأنينة
لوحات علي نفنوف لا تبحث عن تصفيق عابر، ولا تقدم للمتلقي لوحة “جميلة” بالمعنى التزييني التقليدي؛ هي دعوة صريحة للقلق والمشاركة. ينتمي أسلوبه إلى التجريد التعبيري المشحون بالدراما السيكولوجية.
تتحرك الألوان في فضاء لوحته بصراع واعٍ؛ تجد الأزرق العميق بظلاله التي تحيلك إلى البحر أو اللانهائية، تخترقه فجأة ضربات نارية من الأحمر والبرتقالي كأنها صرخة احتجاج أو ومضة أمل وسط العتمة. الخطوط عنده ليست هندسية ناعمة، بل خطوط متوترة، حادة، تشبه المسارات النفسية للإنسان المعاصر في اغترابه وبحثه عن الهوية.
يؤمن بأن “اللوحة التي لا تمنح سؤالاً، هي لوحة فاقدة للشرعية”. لذلك، هو لا يمنحك إجابة جاهزة، انما يترك للمشاهد حرية تفكيك الغموض الجمالي للعمل. وفي خلفية هذا الصخب اللوني، يظهر تأثره الواضح بعدسة الكاميرا؛ إذ يرى الرسم امتداداً عاطفياً لـ “لقطات” سكنت ذاكرته ولم تسعفه كاميرا الواقع في التقاطها، فيعيد خلقها بالريشة واللون في واقع موازٍ.
في محراب الكلمة: قصيدة ترسم بالبصيرة
في شعره، ينحاز علي نفنوف إلى “الومضة التعبيرية” والنص التأملي الفلسفي المكثف. القصيدة لديه لا تعبأ بالزخرفة اللفظية، بل تركز على تفكيك الوجود ومساءلته.
ولعل فلسفته الإبداعية تتلخص في عبارته العميقة: “القصيدة صورة جميلة عن واقع خيالي، بينما الصورة قصيدة جميلة عن واقع حقيقي”. هذا التبادل المعرفي يجعل من يقرأ دواوينه، مثل “عن ماذا تبحث أسئلتي”،
وقميص على قصب الخليج
يشعر وكأنه يتجول في معرض فني؛ فالكلمات مشحونة بطاقة بصرية هائلة.
يتناول نفنوف في نصوصه هموم الإنسان الجوهرية: كيف يزهر الفرح من رحم الخريف والتقدم في العمر؟ كيف يغدو الحنين إلى صافيتا والوطن ملاذاً من قسوة الغربة؟ مستفيداً في الوقت ذاته من دراسته للعلاج بالفن، لتبدو الكلمة عنده بمثابة ترياق نفسي يهدف إلى الارتقاء بالوعي الإنساني ومقاومة قبح النمطية والآلية في الحياة المعاصرة.

وقفة مع:
قميص على قصب الخليج”: تعري الذات ونضوج الأسئلة
ولعلّ الانعطافة الأبرز في مسيرته الشعرية تتجلى في ديوانه الأخير “قميص على قصب الخليج” الصادر عن دار بعل بدمشق. في هذا العمل، لا نعود أمام قصائد انفعالية تصف الألم، بل نلج ردهة “التعري الفني” والزهد الجمالي، حيث يكتب الشاعر نصوصه من منطقة “ما بعد الجرح”، متأملاً الندوب بدلاً من وصف النزيف نفسه. يتحول “القميص” هنا إلى رمز للهوية الإنسانية الهشة التي يرتديها المتعبون، بينما “القصب” هو الذاكرة الطرية الحادة التي تنمو على ضفاف المغترب، محملة بملوحة الاغتراب وحنين الجذور الساحلية السورية. في هذا الديوان، يخلع نفنوف الأقنعة الرومانسية التقليدية ليرتطم بالواقع الإنساني الصادم، كما في ومضته الشديدة القسوة والعذوبة: «سأكتب على جدران قريتي: يسقط القمر… منذ شاهدتُ الجياع يرسمونه رغيفاً، وينامون عراة». إنه نص يمشي بخفة مذهلة، خفة من خرجوا من تحت ركام الحروب والمسافات، ليتأملوا الهشاشة البشرية بيقين الدهشة، ودون أن يقدموا أجوبة جاهزة

ختاماً: ولأن الفنان مدىً ممتداً
يبقى علي نفنوف نموذجاً للمبدع الحقيقي الذي تتكامل في داخله الأدوات ولا تتصارع. إنه لا ينتظر من يحدد له السقف أو المساحة، متمثلاً دائماً بمقولته الملهمة: “لا تنتظر أن يمنحك أحد المدى.. كن أنت المدى”. من خلال هذا المدى المفتوح على التجدد، يستمر في الرسم والكتابة والتقاط الضوء، مؤكداً أن الفن ليس مجرد مهنة أو هواية، بل هو الطريقة الوحيدة الممكنة لإنقاذ الروح بشرط أن يظل وفيّاً للإنسان وأسئلته الكبرى.

  • Social Links:

Leave a Reply