قراءة في تحركات وسياسة جيش الإسلام فيما يخص معركة دمشق ..
كثر الحديث حول عدم مشاركة جيش الإسلام في المعركة الأخيرة التي كانت باتجاه مناطق حيوية في العاصمة دمشق ، وترافق ذلك بحملات شعبية وإعلامية واسعة للضغط على جيش الإسلام للمشاركة ، وخاصة أن المعركة انطلقت عقب إعلان جيش الإسلام فشل المعركة التي كان ينوي خوضها باتجاه دمشق منذ قرابة الأسبوعين بحد زعمه.
كما أعلن جيش الإسلام خلال المعركة الأخيرة عبر معرفاته الرسمية عن استعداده للمشاركة وجاهزيته ، ولكن هذا الأمر لم يترجم على الأرض رغم دعوة الفصائل المشاركة له رسمياً لثلاث مرات متتاية وجرى فيها لقاء مباشر مع قادة الجيش ، إضافة لطلب جيش الإسلام عبر وسطاء في الغوطة أن يسمح له بالمشاركة لمحاولة تبرئة ساحته أمام الحاضن الشعبي ، وبالرغم من ذلك لم يستنفر عناصره وعمل على بث الشائعات والتخوين لمن قام بالمعركة شعبياً.
ولكن لم يستطع الكثير من أهل الغوطة والمتابعين لأحداثها من فهم وتبرير ما جرى ، لإن قراءتهم كانت بعيدة عن سياق تاريخي طويل ومعلومات دقيقة مغيبة عنهم توضح سياسة جيش الإسلام في ذلك ، والتي أهمها كان سابقاً يلخص بما يلي:
1- لم يشارك جيش الإسلام منذ بداية الثورة بالهجوم على أية منطقة باتجاه عمق العاصمة ، وكانت معاركه تقوم باتجاه المستودعات العسكرية والمناطق التي تحوي معامل ومستودعات مدنية ، فكانت معارك تحرير الكتائب العسكرية وفوج الإشارة والنقل وغيرها ، ثم كانت أهم منطقة مليئة بالمعامل والمستودعات في ريف دمشق وهي تل كردي وعدرا ، واستطاع على إثرها تحقيق مورد مالي عالي جداً إضافة للآليات والمواد الموجودة فيها كمحروقات وغيرها في ظل حصار خانق في الغوطة كان للجيش سهم فيه.
فقد عمل أبو نعمان دلوان رئيس مجلس شورى الجيش سابقاً عبر مجموعة من التجار بشراء أغلب قمح الغوطة ثم إخراجه من معبر مخيم الوافدين قبيل حصار الغوطة ، واستغل جيش الإسلام الحصار الخانق في الغوطة لضم الفصائل الصغيرة والسيطرة على بنادق المجاهدين والتي من الممكن أن تكرر تجربة شهداء دوما ومعركة حي الميدان ، والذي عمل جيش الإسلام لاحقاً على سجن وتصفية كل من دخل تلك المعركة ، بداية من أبو علي خبية إلى أصغر عنصر شارك في ذلك.
2- فقد رفض جيش الإسلام مؤازرة ومشاركة شهداء دوما في معركتهم في حي الميدان لأن هكذا معركة تخالف قواعده الشرعية والتي عبر عنها مؤخراً شرعييهم كعكة والعرعور ، أو هكذا يبررون عدم مشاركتهم ، كي لا يفقدوا ثقة عناصرهم ، والسؤال يكون هنا ….
لماذا إذن حررتم الغوطة وجميع أهلها من السنة؟!
أو لماذا اقتحمتم الدخانية ووادي عين ترما ؟!
أو لماذا حررتم عدرا البلد والعمالية والتي يقطن فيهم آلاف الأسر النازحة من الغوطة ؟!
3- لم يستطع جيش الإسلام في السيطرة على الغوطة بشكل كامل بسبب تشكل الكتل الكبيرة في مقابل مشروعه كحركة أحرار الشام والاتحاد الإسلامي وفيلق الرحمن وجبهة النصرة ، لذلك سعى إلى السيطرة على قيادة غرف العمليات في كل معركة ، وكان يرفض المشاركة إذا لم تكن بقيادته.
فكانت معركة “الله أعلى وأجل” أضخم معركة في الغوطة باتجاه العتيبة لمحاولة كسر حصار الغوطة ، وتمت السيطرة وفتح الطريق لعدة أيام ودخل منه عدة شاحنات ذخيرة لجيش الإسلام ، ثم قام بعدها قائد غرفة عمليات المعركة أبو هاشم الوزير يومها بسحب قوات الفصائل من جبهة العتيبة بحجة اقتحام عدرا العمالية ، وليسمح بذلك لقوات النظام باستعادة ما فقدته في جبهة المرج.
وبعد انتهاء المعركة والسيطرة على العمالية أخرج الفصائل منها ، والتي لم تعلم سبب ذلك إلا بعد فترة متأخرة ، حيث كان في عدرا العمالية نفق أثري باتجاه الضمير وكان جيش الإسلام يعمل على تجهيزه ليستخدمه لصالحه فقط ، علماً أن لجيش الإسلام نفق إمداد من جبهة الميدعاني لخلف نقاط العدو كان يستخدمه زهران علوش في كل مرة يخرج منها من الغوطة باتجاه الضمير.
4- وبعدها عاد زهران علوش من الشمال عقب تدميره لمشروع الجبهة الإسلامية واختلافه مع قادة الأحرار فعاد بروح المنتقم ، فعلم بقيام معركة باتجاه ساحة العباسيين وكانت معركة بمشاركة فصائل الغوطة ، فاستبقهم وأطلق معركة “كسر الأسوار” في جوبر وحيداً وسيطر على بناء واحد فقط ، والهدف من ذلك لفت نظر النظام لثغرات العمل وتعطيله ، وحاولت الفصائل بعد ذلك استدراك الوضع بمعركة “نفحات بدر” ولكن لم يتحقق المطلوب لخسارة عنصر المفاجأة.
5- وكانت في هذه الأثناء معركة المليحة على أشدها والتي لم يشارك فيها جيش الإسلام إلا بالنذر اليسير ، باعتبارها جبهة غير مهمة ومعركة دفاعية لا غنائم فيها ، وأطلق معركة قتال “داعش” في الغوطة ، وقدمت الفصائل يومها أعداد قليلة جداً لانشغالهم في المليحة ، واستخدم جيش الإسلام يومها المدرعات في اقتحام بلدات الغوطة ، وعابت عليه الحاضنة الشعبية وسألته عن مدرعاته لماذا لا تشارك في معركة المليحة ؟! فذهب بهم جولة للتصوير كعادته.
6- وخرجت فصائل الغوطة بعد معركة المليحة للبحث عن معركة هجومية جديدة ، وكان في وقتها القيادة الموحدة لازالت موجودة صورياً ، وانطلقت معركة الدخانية واستطاع يومها المجاهدون التقدم باتجاه أطراف جرمانا ، فشعر جيش الإسلام بخطر الموقف ، فقام بسحب 80% من قوته المشاركة في المعركة وتحجج بأن لديه نقص عددي لصد اقتحام النظام في عدرا العمالية وعدرا البلد ، وليتم الانسحاب من عدرا العمالية والبلد بعد عدة أيام دون أية مقاومة تذكر ، وتم بعدها خسارة الدخانية أيضاً.
7- بعد ذلك قرر جيش الإسلام السيطرة على منافذ الغوطة الشرقية بشكل كامل والقضاء على منافسه الشعبي في دوما وهو جيش الأمة ، فألصق به الكثير من التهم بعضها محق والكثير منها افتراء ، فالصراع الأساسي كان السيطرة على معبر المخيم وجعله منطقة مغلقة بالكامل ، وبعدها استطاع جيش الإسلام السيطرة على تجارة الدولار عبر وسيط في مخيم الوافدين بينه وبين النظام ، واستطاع إدخال وإخراج ما يشاء دون رقيب عليه ، وتم تهريب كميات ضخمة من النحاس وآليات صناعية قد سحبها سابقاً من تل كردي وبيعها لتجار شركاء للنظام في دمشق ، وكان أيضاً المسؤول الأمني في جيش الإسلام أبو علي حديد يدخل ويخرج للعاصمة دمشق ويلتقي بضباط مخابرات عبر معبر المخيم دون أي حرج لإتمام هذه الصفقات.
كما عمل جيش الإسلام على تعطيل فتح معبر من عربين شبيه بمعبر مخيم الوافدين وذلك بعد اتفاق أهالي عربين بمدنييها وعسكرييها على ذلك ، فشعر الجيش يومها بتهديد حقيقي وخروج السيطرة من يده فأعلن أن توقيع قائد لواء عربين التابع للجيش أنه مزور.
8- بعد سيطرة الجيش بشكل شبه كامل على دوما قرر استكمال طريقه للسيطرة على بنادق الغوطة ، فلا يسمح بأية طلقة تخرج بعيداً عن أوامره ، ونجح مدنياً إلى حدٍ ما بسبب قبضته الأمنية وبقي لديه عدة عقبات ، وأهمها تبرير موقفه أمام أهل الغوطة في هكذا خطوات.
ثم جرت معركة “أيام بدر” ولم تكن بقيادة جيش الإسلام وكان مشاركاً فيها وكانت تستهدف الزبلطاني ، فأعطى زهران علوش بعيداً عن أوامر غرفة العمليات أمراً مباشراً لأحد عناصر سرية المدفعية في جيش الإسلام بقصف محور تسلل المجاهدين قبل دخولهم ، مما سبب استنفار لعناصر النظام في تلك المنطقة وأفشل المعركة.
9- تصاعد الخلاف الفصائلي فيما بعد بسبب أنفاق الغوطة الشرقية ، وقررت بعض الفصائل إطلاق معركة جديدة في حرستا وعربين دون مشاركة جيش الإسلام ، والذي لا يملك في تلك الجبهات يومها سوى نقطة واحدة ، وعلمت بذلك قيادة الجيش فقادوا مدرعاتهم باتجاه نقطتهم الوحيدة وأطلقوا الرصاص والقذائف على محور العمل فعطل العمل مرة أخرى ، وبعد عدة أسابيع استطاعت الفصائل من خوض المعركة من جديد بعد أن اتخذت عامل الحذر والسرية خوفاً من تعطيل جديد لجيش الإسلام لها.
10- بعد حرج جيش الإسلام الكبير قام بفتح معركة الجبل والتي انتهت في 6 ساعات فقط باتجاه الكسارات والأركان الاحتياطية الفارغة أصلاً ، حيث قتل يومها 30 عسكري للنظام فقط ، وبعدها تحولت المعركة للدفاع والانحسار.
هدف المعركة كان فقط مستودع ضخم جداً للمحروقات وعدد كبير من آليات الحفر إضافة لمستودع ذخيرة كبير ، وبعد إفراغه خلال 48 الأولى للمعركة ، طلب الجيش مؤازة باقي الفصائل ليضعها مكان قواته ثم ينسحب بشكل تدريجي ، فالمنطقة لا يمكن الصمود فيها أبداً ، مع العلم أن زهران علوش عرض المعركة على الفصائل قبل ذلك بسنة ونصف وعندما حصل على موافقتهم انسحب بعرضه ولم يخبرهم عن مكانها ولا ماهيتها إلا أنها عملية لضرب مستودع ذخيرة ضخم خلال ساعات ، ليقوم بتنفيذها وحيداً فيما بعد ويوهم المتابعين أنه يريد دخول دمشق وأنه على سفوح قاسيون ، ومعركته كانت عكس دمشق تماماً فقد اتجه للشمال وباتجاه الجبال الجرداء.
11- ثم أدرك جيش الإسلام بعد المعركة وخسارته ظاهراً وتحقق ما يريد ، أنه لا يمكن أن يسيطر على الغوطة إلا بعد القضاء على جميع الوجوه الثورية والقادة ، فعمد إلى حرب الاغتيالات والمفخخات ونجح بقتل بعض القادة والقضاة ، وغيب الكثير من أحرار الغوطة في السجون ، ثم سعى لتفكيك الفصائل عبر شراء ولاءات بعض قياداتها أو الاعتداء المباشر عليها.
وكان في كل مشكلة فصائلية تحدث يعرض مشاركة أحد الأطراف بالقضاء على الطرف الأخر ومؤازرته بقوات من جيش الإسلام تقاتل تحت راية الطرف دون إعلان ، ولكن كان الجميع على علم بمكائده ، ووصل لخيار الصدام المباشر فكرر تجربة جيش الأمة ولكن هذه المرة مع الأجناد في دوما ومحيطها فقط ، ثم حاول بعد عدة أشهر أن يكررها على باقي الغوطة ويصفي فيلق الرحمن الذي كان على جاهزية لذلك الأمر ، وفشل في المخطط المرسوم له من قبل المخابرات السعودية ، والتي تقضي بالسيطرة على الغوطة الشرقية ثم استخدامها كورقة للحصول على حصة في حكومة انتقالية مع النظام بغض النظر عن مستقبل الأسد ، فكان جل عمله في الفترة الأخيرة تحصيل الحصة أكبر وترأس وفود المفاوضات ، فقام ممثلوا المعارضة بتحجيم “كبير المفاوضين”.
ومع بداية المفاوضات ظهر زهران علوش باستعراض عسكري كبير وآلياته الثقيلة في الغوطة الشرقية والتي لم تعرف يوماً هدوء القصف ، وباستعراض مريب سبب استفهام وتعجب كبير للمتابعين ، كيف لم يتعرض استعراض استمر لنصف يوم للقصف ؟! وأين هذه القوات والآليات من معارك دمشق؟!
12- وكانت أخر خطوة لجيش الإسلام محاولة تبني علم الثورة بعد ست سنوات على انطلاقتها بخطاب بارد ومكرر من قائد الجيش وفي يومٍ تحتدم فيه المعارك على أسوار دمشق ، وظن الجميع أنه سيعلن مؤازرته وفتحه للجبهات ، لتنتهي كلمته المصورة وكأنها أعدت قبل ثلاثة أعوام ، وليعود جيش الإسلام بعد ساعات للفظ علم الثورة ، فشرعي الجيش أبو عبد الرحمن كعكة يقول عنه راية عمية ومن مات تحته مات ميتة جاهلية ، فكيف به اليوم يتبناه أمام عناصره وأتباعه ؟!
13- أثبت جيش الإسلام كذب إدعاءه بمعركة دمشق التي كان سيقوم بها من برزة بعد فتح معركة جوبر ، فقد كان هدف خروج قواته للقابون وبرزة سابقاً هو محاولة السيطرة على برزة والقضاء على اللواء الأول وبهذا يكون امتلك المنافذ التجارية على الغوطة ، ولكن التوازنات الفصائلية حالت دون ذلك ، فقد هددت فصائل الغوطة جيش الإسلام بأنه سيلقى الرد المناسب في حال أي اعتداء فصائلي جديد وأن المرحلة لا تطيق أي حماقة جديدة.
واليوم مع تصاعد انتصارات الجيش الحر في البادية السورية والسيطرة على بير القصب بدأت تظهر تجهيزات جيش الإسلام لمعركة فتح الطريق باتجاه الصحراء بعيداً عن دمشق مرة أخرى ، ولكن هذه المرة لسحب القوات باتجاه القلمون والخروج من دوما والغوطة بشكل يسمح لهم البقاء كمليشية عسكرية تعمل بشكل وظيفي لقتال داعش.

Social Links: