رندة عوض
عندما نكتب عن قامة عملاقة نحتار أي كلمات نستهل بها، كيف وإذا كان الثالث من نيسان ذكرى رحيل العملاق الماغوط الباقي في آلامنا وأحزاننا، شاعر الحزن بامتياز كان لابد لي أن أستعين بكتاب ” اغتصاب كان وأخواتها” وكلمات الأديب خليل الصويلح .
ما الذي فعله الماغوط بنا، وكيف صار لهذا الشاعر المتشرد على الأرصفة، أن يضع للعراة تاجاً من الوحل وأجنحة للحلم والتمرد؟
في منتصف الثمانينات حيث لم يكن هناك إنترنت ولا يوتيوب، نتفاجأ بجارتنا تنقر الجدار ثلاث مرات، وهي إشارة بمثابة رسالة “وتس آب” في هذه الأيام . تفتح أمي الشباك لتخبرها الجارة أن ثمة فيلماً جديداً اسمه ” الحدود” ، جميع الجارات مدعوات للمشاهدة. أؤكد لكم لم نكن نعلم أننا نتتلمذ على يد الكاتب الكبير محمد الماغوط ونحن نتابع أعماله. يومها انتهى الفيلم بعبور الخراف والماعز والدجاج الحدود، أما شخصية الفيلم الرئيسة عبد الودود لم تستطيع العبور، اليوم كل العباد الودودين يعبرون الحدود مذعورين هاربين من الوطن، وتبقى الخراف داخل الحدود. هكذا انتشرت ثقافة الماغوط للعامة عن طريق فيلم الحدود، والتقرير، ومسرحياته ضيعة تشرين، شقائق النعمان، غربة، وكاسك يا وطن.
نساء الحارة الطيبات اللواتي لا يعرفن عن الحياة سوى مؤنة الصيف والشتاء من مربى مشمش وسليقة قمح وغيره، أصبحن ثائرات يتحدثن بالسياسة، ويتكلمن عن الظلم والفساد ويحلمن بوطن بلا حدود، كل ذلك بفضل الماغوط ” تشيخوف العرب” و هنا يحضرني ما كتبه مكسيم غوركي عن الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف بمقاربة لنفس الموقف: ” كان تشيخوف جميلاً في بساطته فأحب كل ما هو بسيط، حقيقي صادق، وكانت لديه طريق مميزة في تبسيط الناس . فذات مرة زارته ثلاث نساء متأنقات ببذخ متظاهرات أنهن مهتمات جداً بالسياسة وبدأن في أثارة الأسئلة:
-من تحب أكثر اليونانيين أم الأتراك؟
أجاب تشيخوف أنا أحب المرملاد (المربى) وأنتِ، هل تحبينه؟
فهتفت المرأة بحيوية: جـــــــــداً
الماغوط الذي بدأت حياته الأدبية الحقيقية خلف القضبان بسجن المزة عام 1955 تعرف هناك على الشاعر “علي أحمد سعيد أسبر “الملقب بأدونيس، كتب الماغوط قصيدة “القتل “وهو سجيناً، فقرأها لأدونيس الذي قال له هذا شعر فسأله الماغوط إن ما كان متأكداً.
الجدير ذكره أنه خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر كان الماغوط مطلوباً في دمشق، فقرر الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينات ودخل لبنان سيراً على الأقدام، حيث تعرف على الشاعر يوسف الخال، الذي احتضنه في مجلة الشعر وتعرف على الشاعر بدر شاكر السياب ورثاه بقصيدة:
” أيها التعس في حياته وفي موته
قبرك البطيء كالسلحفاة
لن يبلغ الجنة أبداً
الجنة للعدائين وراكبي الدراجات “
لاحقاً في إحدى جلسات مجلة الشعر في بيروت قرأ أدونيس قصيدة ” القتل” بحضور يوسف الخال، وأنسي الحاج، والرحابنة دون أن يعلن عن اسم الماغوط وتركهم يتخبطون ( بودلير … رامبو؟) ثم أشار إلى الماغوط قائلاً هذا هو الشاعر، وهذا مقطع من قصيدة القتل:
“أطلق سراحي يا سيدي أبي مات من يومين
ذاكرتي ضعيفة، وأعصابي كالمسامير
أنا مغرم بالكسل
بعدة نساءٍ على فراشٍ واحد
الجريمة تعدو كالمهر البري
وأنا ما زلت ألعق الدم المتجمد على الشفة العليا “
هكذا دخل الماغوط صالون الشعر بأصابع متقرحة وذاكرة تختزن خوف الزنزانة، بلد يطارده وأحزان تتربص به، وهو الذي كان يكتب دائماً من تحت حذاء ما: سياسي أو اقتصادي أو إيديولوجي أو عاطفي. أولى منشوراته قصيدة ” غادة يافا” وقد نشرت في مجلة الآداب البيروتية، حيث استعار لقب دكتور ووضعه قبل اسمه ليتمكن من النشر، وعندما سمع مأمور البلدية وهو شاعر أيضاً صعق وسأل عمن يكون ” الدكتور محمد الماغوط ” قال له وجهاء البلدة إنه لا دكتور ولا من هم يحزنون بل هو مجرد فلاح تشققت كعوب قدميه من العمل بالأرض. مقطع من قصيدة غادة يافا :
لقد هجرت بلادي
كنوز الخير والجمال
ولكن بالسياط
السياط الجائعة تدفعني إلى الهلاك
والرحيل الأعمى
بين الشوارع والأدغال
كخفاش مسلول
أرهقه التجوال والظمأ
فراح يأكل من جناحيه الممزقين
ولي رسالة في العودة الكبرى
إلى الينبوع الأزرق الصافي
بين صخور يافا..
وعن الشعراء يعرِّف الماغوط الشاعر على أنه ورقة النشَاف اليومية التي تجفف آلاف الصفحات الدامية في حياتنا، الآخرون يختارون طريق الشعر الوعر والشائك في المركبات وأنا أختاره حافياً. الشعر هو الناطق التاريخي باسم الطفولة البكماء.
هكذا يرحل المبدعون وتبقى قاماتهم منتصبة وشامخة داخل كلِّ حر فينا؛ حتى وإن أجهدنا اليأس واتعبتنا الغربة تكفينا قصيدة من شعر الماغوط لتمسح جراحنا وتربت على أكتافنا هازئة بكل الممارسات الظالمة:
لا يمكن ترويضي إلا بالموت
لدي أعصاب عظيمة تمنعني من أن أنحني
أكره روح القطيع
أنا ضباب يتوه الناس بي
لا أمشي على رصيفين
الرضا كلمة لا أحبها
الصدق، الكرامة، الشهامة، هذه أشرعتي ولن أتعب في الدفاع عنها.

Social Links: