ثالثًا: حروب وعقبات وعوائق تواجه المشروع.. ولكن
استطاع (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي pyd) أن يخطف قضية الأكراد السوريين بقوة السلاح، وأن يُقدّم نفسه ممثلًا لها ولو إلى حين، علمًا بأنه هجّر أكثر من مليون كردي فرّوا من ممارساته التعسفية، من ملاحقات وسجون وسوق للخدمة، ما عدا العرب الذين هجّرهم من المناطق التي سيطر عليها، كما أنه استجلب متطوّعين أكرادًا من دول كثيرة، وجنّد كثيرًا من أبناء العشائر العربية من خلال الترهيب أو بإغراءات المال أو بدفع من النظام للقتال إلى جانبه، ووزّع خدماته على الدول المُتدخّلة في الصراع السوري من دون شروط، مُضحّيًا بأبناء الأكراد على مذبح مشروعه لإقامة كيان كردي في شمالي سورية، يريده قاعدة انطلاق خلفية لمشروعه الأصل في تركيا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما حظوظ هذه المقامرة من النجاح في ظلّ اللوحة الجيوستراتيجية الناشئة في المنطقة وتعقيداتها؟ سؤال ربما من الصعوبة بمكان التنبؤ بجواب منطقي له، فثمة مصاعب واقعية جمّة لا يُستهان بها تقف عائقًا أمامه، ليس في مستوى الصورة التي ستستقرّ عليها صراعات النفوذ الدولية والإقليمية فحسب، بل في مستوى إرادات الأطراف المحلية المتصارعة أيضًا، ومنها الأطراف الكردية الأخرى ذات العلاقة.
إن استعراض مواقف الأطراف المتدخلة، وتلمّس الخطوط الفاصلة بين توافقاتها أو تباينات أهدافها، قد يُشير إلى بعض ملامح الواقع الذي سترسو عليه الأمور في نهاية المطاف، وتستطلع إمكانات أن تجود الفرص ببعض مما يسعى له (الاتحاد الديمقراطي) من خلال سياسته البراغماتية هذه، لكنها تبقى محض إشارات لا يمكن القطع بها.
استفاد النظام كثيرًا من سياسة (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، ربما من باب ردّ الجميل بحكم الرعاية والدعم اللذين قدمهما إلى هذا الحزب على الأراضي السورية واللبنانية في حربه مع الدولة التركية، قبل أن يضطر إلى تسليم عبد الله أوجلان عام 1998، تحت ضغط التهديد بالحرب من قبل تركيا، فقد لجم (حزب الاتحاد الديمقراطي) مشاركة الناشطين الأكراد بالقوة في الثورة السورية في أشهر انطلاقتها الأولى، وأسهم في تمييع مواقف الأحزاب الكردية الأخرى قبل أن يشلّ نشاطها نهائيًا، كما أنه حارب فصائل “الجيش الحرّ” في معظم الجبهات، وأمّن في أكثر من جبهة خطوط إمداد النظام، كما انسحب من مناطق لمصلحة قواته، حتى إنّ الصدامات القليلة التي حدثت مع قوات النظام، ومنها في مدينة الحسكة، كانت صدامات تكتيكية أو ذات طابع محلي محدود. في المقابل فإن النظام قدم دعمًا كبيرًا للحزب بالمال والسلاح وأمّنَه على مصادره النفطية وغلال الحبوب في مناطق سيطرته، وذلك باعتراف الطرفين، إلا أنّ النظام لم يُعطِ وعدًا علنيًا في الجانب السياسي فيما يخصّ مشروع الحزب المعلن، ولسان حال النظام يقول: “إذا فزنا بهذه الحرب يصبح من السهل إعادة ضبط هذا الحزب، وإذا هُزمنا، فلتذهب جميع الأطراف إلى الجحيم”. كذلك، لن يبكي حزب الاتحاد على النظام إن سقط، وإذا انتصر سيُطالبه بالمحافظة على رأسه لكن من دون أحلام.
أما إيران فإنها تنسّق مع هذا الحزب من خلال علاقتها الوطيدة مع (قيادة قنديل)، صاحبة القرار الحقيقي فيه، وهي تستخدم طرقها عبر شمالي إقليم كردستان العراق في إيصال إمداداتها ورجالها إلى الشمال السوري، على الرغم من التوافق التركي- الإيراني حول ثابتة منع قيام كيان كردي في أي من دول الوجود الكردي، وكلا الطرفين كانا فاعلين في مجموعة دول جوار العراق، الذي كان أهم ما ينتج عن مؤتمراته تنسيق جهدهما في هذا الشأن. إلا أن تطور الأوضاع الميدانية بعد دخول القوات التركية مدينة الباب، حيث أصبحت في مواجهة مباشرة مع الميليشيات التي تتبع إلى إيران، تحديدًا في المناطق التي انسحب منها “داعش” و”قوات سورية الديمقراطية” لمصلحة قوات النظام وحلفائه لقطع الطريق أمام قوات درع الفرات في اتجاه الرقة، ولّد حالة من التوتر. من غير المعروف حدود المدى الذي يمكن أن تتصاعد إليه، نظرًا إلى أهمية سورية بالنسبة إلى المشروع الإيراني، ولا كيف يمكن أن يستغلها (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي في خدمة مشروعه. ومن المعروف أن تركيا ألدّ أعداء الحزب المذكور، ومرجعياته أيضًا، والعقبة الكأداء أمام مشروعه، لأنها ترى فيه خطرًا وجوديًا على وحدة أراضيها. والخط الأحمر التركي حياله محمّل باحتمال الحرب خلف الحدود، وما يمكن أن يجرّ إليه من حروب إقليمية. لذلك، يبقى حاضرًا في علاقة تركيا مع كل الأطراف المتدخلة.
ومن جذرية الموقف التركي منه، يمكن أن نفهم لماذا دخلت القوات الأميركية مدينة منبج، والروسية جنوبي منبج وشرقيّها، كما دخلت عفرين مؤخرًا. ومن الواضح أنها تحركات من الدولتين لرسم خطوط تماس تمنع انفجار الموقف في غير أوانه. صحيح أن تركيا مهمّة للطرفين الأميركي والروسي كليهما، كل بما يخدم أهدافه، لكن هذه الأهداف تتعارض مع المواقف التركية. فروسيا التي تتّبع في مرحلة ما بعد حلب تكتيكًا يحاول الإيحاء بالحرص على علاقة مع جميع الأطراف المحلية المتصارعة، تُقدّم نفسها وسيطًا موضوعيًا ممسكًا بأوراق الصراع السوري، ويريد الإسهام الفاعل في إنهاء المأساة السورية. لكن الأصح هو أنها تتطلع إلى التفاهم مع الولايات المتحدة، وتحصيل اعتراف منها بدورها وبمصالحها؛ وما دامت أميركا تتمنّع حتى الآن، أو أن إستراتيجيتها في عهد الإدارة الجديدة لم تتضح بعد، فإن روسيا تُرسي أمرًا واقعًا أينما تيسّر لها، وتسعى لشراكة ما مع الطرف الكردي، ومن هنا يمكن أن نفهم وجودها في عفرين، ونيّتها إقامة قاعدة عسكرية أخرى وفرض أمر واقع إضافي على الأراضي السورية. يقول أندريه فالكوف، قائد القوات الروسية التي دخلت عفرين “إن الهدف الرئيس للوجود الروسي في المنطقة هو مراقبة وقف إطلاق النار، ونريد أن يفهم الجميع أننا ندعم الحكومة السورية وقواتها المسلحة، وأن وجودنا هنا هو لضمان السلام والأمان في المنطقة الحدودية”.
من الطبيعي أن تريح التصرفات الروسية حزب الاتحاد الديمقراطي، وتكفيه مؤونة مواجهة لا يريدها في هذا الوقت مع القوات التركية، إضافة إلى مراهنته على قدرة روسيا على فرض حكم ذاتي على النظام والمعارضة وفقًا لمشروع الدستور الروسي المطروح الذي تحاول روسيا تمريره. وإنه لذو دلالة في هذا السياق تصريح ليونيد سالونسكي، رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي، الذي قال فيه “لا يمكن تحقيق مصالحة في سورية من دون إقامة مناطق حكم ذاتي للأقليات”، وكان يشير في الدرجة الأولى إلى الأكراد.
أما الولايات المتحدة الأميركية، قائدة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، فإنها، ومنذ عهد الإدارة السابقة، تعهدت لـ (حزب الاتحاد الديمقراطي)، وتشكيلاته العسكرية المتعددة تحت اسم “قوات سورية الديمقراطية”، بالدعم العسكري والمادّي الكثيفين، كما قدّمت له الدعم اللوجيستي الفاعل في المعارك التي خاضها ويخوضها، وتعدّه أكثر القوى المحلية موثوقية في قتال “داعش”، من دون أن يعني ذلك أنها تتبنّى مشروعه؛ وهي ستبقي على هذا الدعم حتى تنتهي من “داعش” في سورية والعراق، وربما أبعد إذا ما قررت متابعة جهدها في مكافحة الإرهاب الذي تزعّمه بنقل الصفة إلى قوى وتشكيلات عسكرية أخرى تعمل على الأراضي السورية؛ وهي فضّلت تحالفها معه على مشاركة تركيا في معركة الرقة، على سبيل المثال، لأنه يُقاتل وفق توجيهاتها من دون شروط، أو أنه أقل تكلفة بكثير من مشاركة تركيا التي يُمكن أن تتحول إلى رقم صعب في المعادلة السورية. فالعلاقة التي لن تغامر بها أميركا مع تركيا، تُرتّب عليها استحقاقات في موضوع تقسيم و”توضيب” النفوذ في سورية والمنطقة عامة، خصوصًا أن الإدارة الأميركية الجديدة، وعلى العكس من الإدارة السابقة، تزيد من وجودها العسكري المباشر، وتقيم القواعد العسكرية في الشمال السوري، حيث وصل عددها إلى أربع حتى الآن، وتشارك قواتها مباشرة، وبفاعلية أكبر، في معارك الرقة التي بدأت في ما يبدو من مدينة الطبقة عبر إنزال أميركي داعمٍ لـ “قوات سورية الديمقراطية”.
ما بعد الرقة سوف تتغير قواعد اللعبة، وسيزداد الدور الأميركي حضورًا وفاعلية، وبخاصة في تحجيم الدور الإيراني في سورية. ومن غير المعروف كيف ستكون الصورة التي تمسي عليها العلاقة الأميركية- الروسية، تفاهمًا أم صدامًا، وهما القوتان الموجودتان عسكريًا على الأرض السورية. لكن، وعلى ما يبدو، فسوف تنتعش تحالفات قديمة في المنطقة، ومنها التحالف الأميركي- التركي، بعد تزايد الخلاف الروسي- التركي. فهل يمكن أن تصبّ هذه التطورات في مصلحة مشروع (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي؟ ربما نعم على المدى القصير، من خلال استمرار حالة الأمر الواقع التي فرضها في الشمال السوري بحماية القوات الأميركية، إذا كانت التوجهات الأميركية لمصلحة البقاء عسكريًا في المنطقة بعد هزيمة “داعش” التي باتت وشيكة، وهذا يُستشفّ من تصريح وزير الخارجية الأميركية الجديد، ريكس تيلرسون، أمام اجتماع دول التحالف الدولي لمحاربة “داعش” الذي عُقد في نيويورك في 22 آذار/ مارس 2017، والذي قال فيه “سنعمل على إقامة مناطق استقرار موقّتة في سورية”. ومناطق الاستقرار غير المناطق الآمنة التي تقول بها الإدارة الجديدة، كونها تتطلب حضورًا عسكريًا مباشرًا.
على الرغم من ثقل التدخل الخارجي، إلا أنّ القوى المحلية ستلعب دورًا حاسمًا في تقرير مصير مشروع (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، فالقوى العربية لا يمكن أن تُسلّم له بطموحاته، لكنها غير متفرغة له في الوقت الراهن، والخطر الحقيقي يأتيه من أبناء الشعب الكردي وقواه السياسية، الذين نكّل بهم وهجّرهم أو زجّ بهم في حروبه التي لا يوافق معظمهم عليها، ولا تخدم قضيتهم الوطنية، بل يتهمونه بخدمة أجندات إقليمية أو دولية من أحد أهدافها تحجيم الدور التركي على المدى البعيد باستخدام أكراد سورية. وهناك بوادر تدخّل كردستاني تمثّل باشتباكات محدودة في إقليم سنجار العراقي المحاذي للحدود السورية بين قوات (بيشمركة روج آفا) المدعومة من قبل رئيس إقليم كردستان و(قوات حماية سنجار) الأوجلانية؛ وتتكاثر الدعوات لإدخال (قوات روج آفا) إلى شمالي سورية من خلال محاولة التفاهم مع الولايات المتحدة وبتشجيع تركي؛ كما أُعلن في عفرين عن تشكيل عسكري جديد تحت اسم (جيش الإنقاذ الكردي) الذي ضمّ عددًا من الفصائل الكردية المسلحة التي تعدّ نفسها جزءًا من الجيش الحر والثورة السورية، ويتلقى دعمًا تركيًا، ويُتوقع أن يصطدم بـ (قوات سورية الديمقراطية). إن صراعًا كرديًا- كرديًا بات يُطلّ برأسه نتيجة الإجراءات التعسفية التي اتخذتها “الإدارة الذاتية” في حق الأحزاب الكردية وغير الكردية بإغلاق مكتبها واعتقال كوادرها، وهذا الصراع سيجد من يزيده سخونة.
يتبع ..

Social Links: