وجهة نظر ماركسية حول القومية ــ يونادم يونادم (1/2) ..

وجهة نظر ماركسية حول القومية ــ يونادم يونادم (1/2) ..

(القسم الأول)
الجماعات المتخيلة او نظرية (بينيدكت اندرسون) حول القومية ولد بينيدكت أندرسون عام 1936 في (كانينغ) عاصمة مقاطعة (يونان) في (الصين) لأب أنجلو-إيرلندي ينحدر من أصول إسكوتلندية وأم انجليزية. كان والده يعمل في مصلحة الضرائب البحرية هناك. وانتقلت عائلته الى ولاية (كاليفورنيا) في الولايات المتحدة. ثم درس في (كمبردج- بريطانيا) حيث تبنى حينها وبعد ازمة السويس مواقف معادية للامبريالية والتي تركت تاثيرها على اعماله اللاحقة كمفكر ماركسي.
وبعد ان نال شهادة الدراسات الكلاسيكية من الجامعة المذكورة عام 1957 وقبل التحاقه بجامعة (كورنل- الولايات المتحدة) حيث تركزت دراساته على (اندونيسيا)، ونال درجة الدكتوراه .
لقد صدمه العنف الدموي الذي رافق انقلاب (سوهارتو) في اندونيسيا وكتب حينها (ورقة كورنل) يفضح فيها جرائم التطهير الجماعية ضد الشيوعيين في اندونيسيا عامي 1965 – 1966 وأدت نشاطاته هذه الى طرده من اندونيسيا وقرار حظره من الدخول الذي بقي سارياً حتى عام 1998 مع نهاية دكتاتورية (سوهارتو).

اتقن (اندرسون) مجموعة من لغات شعوب جنوب شرق اسيا بالإضافة الى عدد من لغات الشعوب الاوروبية. وبدأ اندرسون بعد الحرب الأمريكية في فيتنام والحرب الكمبودية- الفيتنامية ثم الحرب الصينية الفيتنامية بدراسة نشوء القوميات متابعاً في نفس الوقت دراسته حول العلاقة بين اللغة والسلطة.

يبقى كتابه الهام (الجماعات المتخيلة) أبرز أعماله الذي يستعرض فيه العوامل الرئيسية التي ساهمت في ظهور القوميات خلال القرون الثلاثة الماضية، ويعرّف اندرسون القومية بأنها: “جماعة سياسية متخيلة. وهي متخيلة من حيث كونها محدودة بطبيعتها ومستقلة”. يعتبر اندرسون انه بخلاف الليبرالية والشيوعية وغيرها من النظريات الشمولية لم تنتج القومية مفكرين كبار مثل : (هوبز) او (توكفيل) او (ماركس).

ويبدأ اندرسون بطرح ثلاث مفارقات حول القومية ستكون هي الموضوعات التي ستستغرق كل عمله اللاحق:

1 – ان القومية هي تكوين عصري حديث، وان الأمم التي يفكر حولها الناس قديمة جداً.

2 – ان القومية شاملة أي ان كل فرد ينتمي الى امة ما. كما يفترض في كل امة ان تكون متميزة عن الأمم الأخرى.

3 – ان القومية فكرة مؤثرة لدرجة ان الناس مستعدة للموت من أجلها، ثم انها فكرة يصعب تحديدها لقد قدم السيد (حسام طوقان)، –من الأردن- عام 2010، اطروحته الأكاديمية في الجامعة اللبنانية الأمريكية، كدراسة تطبيقية لفكر (بينيدكت اندرسون) حول (الجماعات المتخيلة) والنزعة القومية كما ظهرت عند (أنطون سعادة) وتتضمن دراسة نقدية لمفهوم الأمة السورية.

استعادة الجماعات المتخيلة او نظرية (بينيدكت اندرسون) حول القومية.

مقدمة: يقول (اندرسون) ان الكاتب او المؤلف تنتهي علاقته بكتابه (او بكتابها) لحظة نشر الكتاب ووصوله الى جماهير القراء.

ويشير اندرسون الى الصعوبة التي يواجهها المؤلف حين يترجم كتابه الى لغة لا يفهمها هو.

لقد تمت ترجمة كتاب اندرسون (الجماعات المتخيلة) الى 27 لغة حتى الآن منذ صدوره عام 1983، ولا بد لكل باحث او مهتم بهذا الشأن ان يقوم بقراءته.

إذا انتزع المرء من تراث شعب ما اغنياته وقصائده المشتركة، آثاره ومخلفات هندسته المعمارية، إذا انتزعت منه مفاهيمه التي تخيلها عن مقدسات امته، تكون بذلك قد اضعفت روابطه القومية ولهذا لكي تكون الأمم حقيقية لا بد ان تكون متخيلة.

لقد ترسخت عبارة (الجماعات المتخيلة) في ثقافة الفكر المعاصر لدرجة أصبح الاستشهاد بها بمثابة تحصيل حاصل.

لهذا كان لظهور الطبعة الثالثة من هذا المؤلف فرصة لإعادة تقييم هذا المؤلَف الهام والأصيل، وفي نفس الوقت هو فرصة للإشارة الى بعض المسائل التي أخذت تبرز نتيجة لنشره، او القضايا التي ساهمت في انتشاره.

من المؤكد ان ذلك لم يكن نتيجة وجود التباسات حتمية تحصل كلما حاول مفهوم معقد ومتعدد الجوانب ان يملأ ثغرة لشرح موضوع هام، حين يصير الابتكار هو البديل عن الشرح والتفسير، ومثلما أشار (اندرسون) حول الكتاب قائلاً” انه حاول ان يجمع فيه نوعاً من المادية التاريخية مع الحوار التحليلي” انها ماركسية ما بعد الحداثة.

وللتعرف على وقع وتأثير هذا الكتاب، من الضروري ان يتطرق المرء الى مفهوم القومية كما ورد في الأدبيات الماركسية التقليدية. استراتيجيات، تعاريف، وشروح لقد اختبر كل من (ماركس) و (انجلز) القضايا والمسائل القومية في منتصف القرن التاسع عشر، أي في مرحلة الإنجازات التي حققتها الثورات البورجوازية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة ثم اليابان.

ووجدا ان على الطبقة العاملة (والديمقراطية بشكل عام) ان تكون سنداً للحركات القومية وتساعد في تكوين أمم ضمن حدود دول جديدة والتي بدورها ستسرّع وتعجّل في تطور الرأسمالية وبالتالي بروز الطبقة العاملة التي ستضعف القوى الرجعية في أوروبا وفي مقدمتها روسيا التي كان يقودها حاكم مطلق.

ولم يكن، بالضرورة، حق تقرير المصير بالنسبة لماركس وانجلز قضية لها أولوية مطلقة، لأنهما كانا يرفضان وجهة النظر التي تقول ان كل جماعة قومية لها الحق لإقامة دولتها القومية، أو ما سمي بالمبدأ القومي، اذ بالنسبة لهما كانت القضية تتوقف كلياً على إذا كان نجاح الحركة سيؤدي الى نتائج تقدمية ام لا.

كما ان مواقفهما من حركة معينة لم يكن يحددها الطبيعة الطبقية او السلوك السياسي لقيادتها. فالانتفاضة الهنغارية عام 1848 كان يسيطر عليها النبلاء، وكذلك الأمر فقد قادت الأرستقراطية التمرد المسلح والعصيان في بولونيا عام 1863، وكذلك الأمر بالنسبة الى حركة (الفنيان) وهي حركة ثورية قام بها الثوار الوطنيون في بريطانيا في منتصف القرن الثامن عشر، وهي حركة تنادي بانفصال (إيرلندا) عن بريطانيا، وكانت تحت تأثير الكنيسة الكاثوليكية.

ولم تقم تلك الخصائص السلبية بتحديد نتائج كل حالة بالمقارنة مع النتائج الايجابية التي هدفت الى الانفتاح على كل احتمالات التطور الرأسمالي او لوضع حدّ لتأثيرات الدول الاستبدادية المطلقة. فعلى العكس، رفض ماركس وانجلز مساندة الشيك والسلافيين الجنوبيين اثناء ثورات عامي 1848 -1849 لأن تلك الثورات كانت يساندها الحكم الروسي المطلق او شرطي أوروبا.

لقد أصبحت كل تلك الحالات المتعلقة بالاستراتيجية الاشتراكية نحو القومية هو مجرد تاريخ مع ان الطريق الواصل اليه بقيت له اهمية. لقد ترك (ماركس وانجلز) للحركة المرتبطة باسمهما توجها استراتيجياً صحيحاً حول الحركة القومية بالإضافة الى نقاط نظرية غير مكتملة حول طبيعة الأمم والوعي القومي وغيره.

لهذا لجأ الجيل التالي من الماركسيين الى التركيز، ولضرورات عملية، الى التدقيق في المقاربات التي قام بها الاشتراكيون الثوريون بخصوص الحركات القومية والمطالب القومية في الظروف الجديدة المستجدة في المرحلة الامبريالية. لقد امتدت تلك النقاشات من أواسط 1890 وحتى المناظرات حول “المسألة القومية والاستعمار” التي جرت خلال اجتماعات الأممية الدولية بين عامي 1919 – 1922 وكانت تمثل مساهمة كبيرة في إطار الاستراتيجية الاشتراكية، وقد حاول كل من (كاوتسكي) و (لينين) ان يشرحا كيفية نشوء الأمم، رغم ان كل ذلك لم يكن يحتل موقعاً مركزياً في النقاشات الدائرة التي لم تتعدى التأكيد على ان الرأسمالية التي تسيطر على السوق المحلية في إقليم ما، وعلى اهمية دور اللغة في توحيد سكان ذلك الاقليم.

كما تناول كل من (كارل رينير) و (اوتو باور) موضوع تشكل القوميات، لاسيما مؤلف باور الضخم (المسألة القومية والديمقراطية الاشتراكية) عام 1906.

ولكن التعريف الذي قدمه باور لم يكن مادياً على الاطلاق، رغم انه قدر دور الرأسمالية في تشكيل الوعي القومي الذي لا يمكن ان يكتمل الا إذا اعترف ذلك الوعي بوجود أمم أخرى تختلف الواحدة عن الأخرى وهذا لا يتحقق الا في إطار تطور الرأسمالية.

لقد تمت الإشادة بعمل (باور) واعتباره المحاولة الماركسية الجدّية الوحيدة التي تطرقت الى المسألة القومية ولكن تلك الإشادة جاءت من قبل أشخاص رحبوا بها لكونها بعيدة عن الماركسية.

اعتبر (لينين) ان نظرية (باور) فشلت في طرح بديل واضح تفصيلي يشرح قضية بروز الأمم وما هي طبيعة الوعي القومي، ثم ان ما جرى من طرح كاعتراض على (باور) لم يكن شرحاً مضاداً بل تعريفاً مضاداً والذي مازال، وللأسف، مقبولاً في أوساط اليسار اليوم.

في عام 1913 كتب (ستالين) بتوجيه من (لينين) “الأمة هي جماعة مستقرة من الناس تأسست تاريخياً على أساس مشترك من اللغة والأرض والحياة الاقتصادية ومكون نفسي تعبر عنه ثقافة مشتركة” وإذا غاب أحد هذه العناصر التي تؤسس للأمة فلا وجود لأمة.

المشكلة في مثل هذه التعاريف هي انها تضفي هالة مزيفة للموضوعية العلمية التي تبدأ بالانهيار حالما تدرك انها تستثني عدداً كبيرا من الأمم، الولايات المتحدة واحدة منها. ثم ان (ستالين) يبني تعريفه استناداً على تعريف (باور).

ومع انتصار الستالينية في أواخر العشرينيات توقف النقاش الجدي حول هذا الموضوع نهائياً، وانتقل البحث فيه الى متخصصين غير ماركسيين في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية، ومن بينهم الذين وضعوا القواعد الأكاديمية الراهنة ل (العلاقات الدولية) وهذا التحول يشير ال ان اهتماماتهم اخذت تنصب على جانب (الدولة) ضمن ثنائية (الأمة-الدولة).

لقد نظر هؤلاء الى (القومية) باعتبارها برزت في أواخر القرن الثامن عشر، مع قبولهم ان الأمم، وعلى الأقل تلك الأمم التاريخية القديمة كبريطانيا وفرنسا، وجدت قبل ذلك التاريخ بفترة طويلة.

موقف أندرسون النظري والسياسي خلال الستينيات برز تيار (حداثي) معاصر حول دراسة منشأ القومية ومن روادها (كيدوري) في بحثه بعنوان (القومية) عام 1960 الذي أرجع أسباب نشوء القومية الى عصر التنوير.

ثم ظهر بحث (جيلنر) عام 1964 بعنوان (القومية) ايضاً والذي وجد فيه ان منشأ القومية ظهر مع الثورة الصناعية.

غير ان (الحداثيون) وجدوا ان الأمم والقومية تشكل قضايا معاصرة وحديثة النشأة نسبياً.

لقد هيمن المثقفون على اتجاهات الحداثة والمعاصرة لفترة قصيرة من الزمن أي من أواخر السبعينيات الى أوائل التسعينيات ومن بين المؤلفين الذين واكبوا تلك المرحلة لم يعرف من تبنى الماركسية بينهم سوى (توم نيرن) (ايريك هوبسباوم) و (نيغل هاريس) بالإضافة الى (بينيدكت أندرسون) الذي هو موضوع هذه المقالة.

يعتبر (اندرسون) من المختصين بدراسات شرق آسيا. فقد ذهب الى (اندونيسيا) عام 1962 لدراسة تجربة تلك البلاد اثناء الحرب العالمية الثانية بعد ان حلّ الاحتلال الياباني محل الاستعمار الهولندي. وقد علق اندرسون في وقت لاحق هذا الموضوع بانه وجد تلازماً بين فترات المقاومة للاحتلال الياباني وعودة المستعمر الهولندي، وفي الستينيات حين وقفت (الديمقراطية الموجهة) للرئيس (سوكارنو) على حافة الراديكالية الاجتماعية والتي انتهت بالانقلاب الدموي لعام 1965.

كانت محصلة البحوث التي قام بها أندرسون كتاب (جاوا في زمن الثورة) عام 1972 وتعرض فيه الى مسألة القومية، كما قام بوصف المؤتمر الثاني الذي عقده جناح الشبيبة للحزب الوطني الإندونيسي عام 1928 حيث قال : “في نفس المؤتمر الذي شاركت فيه الشبيبة الإندونيسية وأدت قسَمَها التاريخي وأعلنت من خلاله انها ملتزمة بحق الشعب، الشعب الإندونيسي، وانه يشكل امة واحدة، الأمة الإندونيسية، وله لغة واحدة، اللغة الإندونيسية. ان تطور القومية بين الشباب المتعلم لم يكن نتيجة مطالعاتهم في التاريخ الأوروبي، ولم يكن ايضاً نتيجة مواجهاتهم للسلطات الاستعمارية العنصرية بل جاء نتيجة تجربتهم المدرسية التي وجدت لتلبي حاجة البنية المركزية التي أقيمت في تلك الجزر في القرن العشرين. فالقومية كانت تقدم التعليل الوحيد لكل طالب ترك منزله الذي لا يعرف مكانه ليدخل الفصل الدراسي لينضم الى غيره من الطلاب. فقط القومية في هذه الحالة كانت تقدم الإجابة العملية عن الحياة الجديدة التي أقدم الطلاب على خوض تجربتها، والتي كانت تجربة محدودة بالنسبة لأولئك الطلاب. لقد كان الطلاب المهتمون بالسياسة عام 1930 في حالة عزلة عن اقرانهم. ولم يبدأ انتشار القومية داخل البلدات والريف ضمن جزيرة جاوا الا مع الاحتلال الياباني وبداية تجربتها الجديدة حيث أعطت القومية معنى متماسك لها.”

ثم وصف (أندرسون) دور (الفيالق الطليعية) اثناء فترة المقاومة : “لقد كانت بمثابة ظهور قومية جديدة تختلف عن قومية الجيل القديم لأنها نمت وكبرت ضمن تجربة غير مسبوقة”

العديد من المواضيع المطروحة هنا مثل النمو الأولي للقومية ونهوضها من التجربة الجماعية للنخبة الاجتماعية، والشعور بكونها طريقة لفهم العالم أكثر من كونها مجموعة مطالب سياسية محددة، عاد ليطور صياغتها وينضجها في مؤلفه اللاحق (الجماعات المتخيلة).

لقد تم طرد اندرسون من اندونيسيا بعد ظهور الكتاب الذي اثار استياء نظام (سوهارتو). وكتب لاحقاً: “لقد دفعني المنفى الى تساؤلات ترجع الى القرن التاسع عشر، وكذلك الى الخوض في السياسة اليومية وتحول الوعي الذي جعل من اندونيسيا الموجودة حالياً قابلة للفهم”

وطبعاً كان هناك عوامل أخرى إضافية قادته لكتابة مؤلفه المذكور.

في أعوام 1978 و1979 نشبت الحروب بين فيتنام وكمبوديا والصين ولم يقم أي من الاطراف المتحاربة باي جهود قادرة من وجهة نظر ماركسية على تجاوز المحاولات الروتينية والسطحية لتبرير إراقة تلك الدماء ، وهذا يفسر شيئاً عن طبيعتهم: ” منذ الحرب العالمية الثانية كل الثورات المنتصرة عرفت نفسها في إطار قومي، وبهذا تكون قد ارست جذورها على أساس جغرافي واجتماعي موروث عن الماضي الثوري” غير ان فكرة الاشتراكية او الانتقال نحو الاشتراكية ستقوم بتخليد الدولة-القومية وان الموقف القومي كان على عكس كل التفسيرات الماركسية السابقة.

ولكن هل ترك هذا تأثيرا على وجهة نظر الماركسية حول القومية؟ كان هناك تصور ان الماركسية تفتقر الى نظرية في القومية تتناسب مع مقدماتها.

لقد كانت القومية موضوعا شاذاً بالنسبة للماركسية ولذلك جرى تنقيحها وتهذيبها عند المعالجة عوضاً عن مواجهتها.

  • Social Links:

Leave a Reply