عودة روسيا الى واجهة المسرح الدولي أجبرت المسؤولين عن الأمن في الولايات المتحدة وأوروبا الى مراجعة أوضاعهم، وإحدى أهم تطلعات روسيا هو التذكير بوجودها على ساحة الشرق الأوسط بشكل عام، ودعم نظام الأسد في سوريا بشكل خاص وما قد يحمله هذا من تحول نوعي في المنطقة.
يشرح (يوري جوكوف) من جامعة (ميشيغان- الولايات المتحدة) أسباب عودة روسيا الى المنطقة والحدود المحتملة التي قد تعيق نفوذ موسكو هذا.
خلال ما يقارب 18 شهراً الماضية استطاعت موسكو تغيير دفة ستة سنوات من الحرب في سوريا بتوفير الدعم والمساندة لحليفها (بشار الأسد)، واضعة نفسها بمثابة الحكم والوسيط في قضايا وشؤون المنطقة، كما يتبين من تدخلها مؤخراً لمساندة القائد العسكري الليبي (خليفة حفتر) بعد ان نشرت وحدات عسكرية خاصة في غرب مصر. ويجري كل هذا تزامناً مع انحسار ارتباط الولايات المتحدة بالمنطقة رافقه الاضطراب الذي نجم عن انتقال السلطة بعد الانتخابات الأخيرة في واشنطن. ان توسع الدور الروسي يثير أسئلة هامة حول مصالح روسيا وامكانياتها للنشاط في الشرق الأوسط.
وتشير الدلائل الى ان اغلب النشاطات الروسية يمكن ارجاعها الى مخاوف تقليدية وحقيقية تتعلق بأمن روسيا الوطني أكثر من كونها رغبات او تطلعات قصيرة الأمد لإثارة المشاكل او لتحويل انظار المجتمع الدولي عن النزاع في (أوكرانيا). ان موسكو لا ترى في الشرق الأوسط سوى كونه مصدراً للاضطراب وعدم الاستقرار ولم تستطيع اية قوة عالمية على احتوائه بنجاح حتى الآن. وبعد سنوات عديدة من مناهضة سياسة الولايات المتحدة في المنطقة والتي اعتبرتها موسكو سياسة خطيرة، تقدم نفسها اليوم بكونها صمام الامان البديل. ولكن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تحدياً للولايات المتحدة فهي ليست بصدد إقامة وكلاء وأنظمة ملحقة بها على النمط السوفييتي.
يعتقد بعض المحللين والسياسيين في الغرب ان المصالح الروسية في سوريا، والشرق الأوسط عموما، تقع في خانتين او توجهين: ” ان روسيا تريد الفوضى” و ” ان روسيا تريد الاستقرار”، النظرة الأولى تفترضها المقدمة التي تقول ان روسيا بتدخلها في سوريا قامت بتصعيد مستوى الصراع تاركة للولايات المتحدة وللقوى الأخرى خيارات أقل للتدخل ضد نظام الأسد وبالتالي لوضع حد نهائي للكارثة الانسانية في تلك البلاد. كما ان التدخل الروسي سيفرز مستوى آخر من الآثار الجانبية التي ستساعد روسيا وتساهم في اضعاف خصومها، الى درجة انه إذا استمر عدم الاستقرار فسيؤدي الى انقطاع امدادات النفط للسوق العالمية بحيث ستستفيد منه روسيا في تلك الحالة لأنه سيؤدي ايضاً الى ارتفاع حاد ومفاجئ في أسعار النفط، كما ان عدم الاستقرار سيزيد من تدفق اللاجئين نحو تركيا وأوروبا. ان روسيا تحاول الآن زعزعة استقرار الحكومات الحالية في أوروبا قبل الانتخابات الوطنية التي ستخوضها دول اوروبية رئيسية.
بالإضافة الى المكافأة الجانبية التي ستحرزها روسيا نتيجة لما سبق وهو انها ستخترق طوق عزلتها الدولية وتحول الأنظار بعيداً عن قضية احتلالها لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا.
ان عدم الاستقرار الإقليمي له فوائده على المدى القريب. فالعديد من المتنفذين داخل اوساط الكرملين ينظرون الى سياسة واشنطن الشرق أوسطية بنفس الطريقة، أي بكونها قصيرة النظر وتزعزع الاستقرار وساذجة في آن واحد، ومثل هذه الآراء تخلط بين الفوائد القصيرة الأمد بالتطلعات الاستراتيجية، وهي تتجاهل انه في المدى البعيد سيصعب على روسيا ان تعزل نفسها عن اضطرابات الشرق الأوسط التي ساهم في صنعها النشاط السياسي الروسي في الشرق الأوسط.
يشير بعض الخبراء في السياسة الروسية الى ان روسيا تختلف عن الولايات المتحدة التي تحيط بها المياه من الشرق والغرب، فروسيا لا يفصلها عن العالم حواجز طبيعية كهذه، ولهذا فان عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يشكل تهديداً على مقربة جغرافية من روسيا بنفس الطريقة التي يمكن ان يشكل عدم الاستقرار في أمريكا اللاتينية تهديداً لمصالح الولايات المتحدة. وكما ذكر أحد المحللين الروس حين قال:” ان روسيا تقع على الجبهة الأمامية، اننا نقع في منطقة الجهاد، وأطراف حدودنا، القوقاز الشمالي، وآسيا الوسطى، وحتى منطقة الفولغا الوسطى كلها مهددة. ومع ذلك فان الغرب كما يبدو على استعداد للعب بالنار واستخدام الجهاديين ضد روسيا ومصالحها الوطنية، مثلما فعلوا في أفغانستان والشيشان وليبيا وسوريا.”
بالنسبة للكرملين فان التهديد الأولي والأساسي الذي تواجهه المصالح لروسية كان يأتي دوماً من الغرب بصيغة توسيع حلف الناتو، والدعم الغربي للاحتجاجات والثورات في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. لقد وجد الكرملين في الربيع العربي والثورات الجماهيرية التي اجتاحت مصر وليبيا وسوريا بانها تهديد ثانوي بالقياس الى الحملات التي تقودها الولايات المتحدة لزعزعة الاستقرار في روسيا تحت شعار نشر الديمقراطية.
في الظروف الراهنة تمكنت روسيا جزئياً من احتواء التهديد القادم من الغرب: فالنزاعات التي يؤججها الانفصاليون مازالت ملتهبة حتى الآن كما هو الحال في أوكرانيا وجورجيا، وان اشراكهما في عضوية الناتو يشبه كمن يريد بيع بوليصة تأمين لمنزل يحترق، وتتوقع موسكو ان يبدأ الزخم الثوري بالخمود والهدوء في أوروبا الشرقية بعد تحول القيادة السياسية الموالية للغرب في أوكرانيا وسقوطها في مطبات الفضائح والفساد وبعد ان يصل الى القيادة نماذج موالية لروسيا في كل من هنغاريا ومولدوفا وبلغاريا. لقد وجدت روسيا لنفسها فسحة تتنفس منها في الغرب دون ان تستثير اية ردود فعل عسكرية من قبل الولايات المتحدة وحلف الناتو مما يجعلها ترى في ذلك فرصة سانحة لصد ووقف الموجة الثورية في الشرق الأوسط ومساندة ودعم أنظمة الحكم الموالية لها والتي تواجه معارضة مسلحة، ولكي تحافظ موسكو على حدودها الجنوبية في وضع تعتبره آمن بالنسبة لها. ويعتبر الكرملين ان الربيع العربي والثورات التي اجتاحت كل من مصر وليبيا وسوريا هي مجرد مواقع لمسارح ثانوية تخوض نفس حملات عدم الاستقرار التي تقودها الولايات المتحدة.
لم يكن استعراض القوة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بالأمر السهل بالنسبة الى روسيا، وحتى في ذروة القوة (السوفييتية) كانت موسكو تواجه عقبات وصعوبات في إيجاد موطئ قدم عسكرية لها هناك. ان اتفاقية (مونترو) لعام 1936 حددت مرور البواخر الحربية عبر مضيق الدردنيل افي تركيا باتجاه البحر الأبيض المتوسط كما حددت الاتفاقية ضرورة ان يتطلب ذلك اسناد ودعم وحدات اسطول البحر الأسود من قبل اساطيل البحر الشمالي وبحر البلطيق التي تبعد آلاف الأميال والتي كانت تجبر البواخر الحربية السوفييتية حينذاك ان تبحر باتجاه أوروبا الشمالية ثم عبر مضيق جبل طارق حيث تتجمع في نقاط اختناق يسيطر عليها حلف شمال الأطلسي، وكان يضاعف هذه المصاعب والاختناقات القيود الدورية المفروضة على المنافذ البحرية القابلة للاستخدام. وهذه القيود ما زالت قائمة حتى اليوم في وقت تعاني روسيا فيه من مركزها الذي ازداد ضعفاً.
تواجه روسيا (بوتين ) اليوم الصعوبات الأساسية التي تعاني منها عملية الانتقال الى وظيفة سمسار او وسيط في السياسة الخارجية باعتبارها “قوة عظمى” ولكن ترتيبها من حيث الناتج الوطني بالكاد يعادل الناتج الوطني ل (إيطاليا)، التي وصفها (اوتو فون بيسمارك) المستشار البروسي في القرن التاسع عشر، بان لها شهية كبيرة واسنان ضعيفة. هناك عدم تطابق ظاهر وواضح بين طموحات موسكو ووسائل تحقيقها المحدودة.
والقيادة الروسية تدرك جيداً ان بلادهم ليست في موقع يجعلها تتحدى، ناهيك عن استبدال، الولايات المتحدة كضامن رئيسي للأمن في المنطقة، ولكن كقوة إقليمية تريد اثبات انطلاقتها، فان مقاربتها يشوبها عدم الاتساق. والعنصر الأول ضمن استراتيجيتها هوايجاد نقاط التواصل المتنوعة والتي ستعتمد عليها في المنطقة. لقد تعلم الاتحاد السوفييتي بعد جهود حثيثة صعوبة انشاء قواعد عسكرية ثابتة في شرق البحر المتوسط عبر سلسلة من الدول المضيفة، اولها البانيا عام 1961 ثم تلاها قيام عدد من الأنظمة العربية خلال السبعينيات بطرد البحرية السوفييتية والخبراء العسكريين السوفييت من مناطقهم. وعوضاً عن توطيد صلاتها مع حليف منفرد وقوي (كالأسد في سوريا) فضلت موسكو ان تكون لها صلات متعددة مع قيادات سياسية متواجدة على الساحة وذلك تحت شعار يدعو الى هدفين،
الأول : الرغبة بإيجاد ارض مشتركة مع اي طرف مناهض (للدولة الاسلامية) والجماعات السنية المتطرفة الأخرى.
والثاني: ان هذا التعاون الأمني ليس مشروطاً باحترام “الديمقراطية” او “حقوق الانسان”.
واعطت هذه المقاربة المجانية التي لا ترتبط بأية شروط لموسكو، ورغم افتقارها لأي عروض مغرية، مرونة وميزات إضافية بالمقارنة مع الولايات المتحدة.
أما الهدف “الثاني” وراء هذه لاستراتيجية فهو “التوفير والاقتصاد”، فالتخوف من تكرار اخطائها وعدم تكرار أخطاء الولايات المتحدة في العراق دفع روسيا الى ان تقلل من اثار بصماتها العسكرية وجعلها صغيرة بقدر الإمكان، أي ان يكون حضورها محدوداً وقابلاً للزيادة والنقصان بحسب ما قد تمليه الأوضاع. والعملية التي تجري في سورية حاليا هي دليل على مثل هذا التوجه، اذ اقتصر تواجدها على الأرض من خلال متعهدين في القطاع الخاص، والقوات الخاصة للعمليات العسكرية بالإضافة الى الشرطة العسكرية، حتى ان الضربات الجوية او القصف الجوي بدون أي تمييز هو ناجم عن محاولة توفير اقتصادي رغم ان روسيا تمتلك precision-guided munitions او ذخيرة موجهة بدقة وهي أكثر كلفة ولا تمثل أكثر من 20 ٪ من الذخيرة التي اسقطتها روسيا فوق سوريا ونتيجة لهذا التوفير في استعمال ذخيرة غير دقيقة تكبد الشعب السوري ضحايا إضافية. ويقدر معدل تكلفة العمليات اليومية الروسية بين 3.5-2.5 مليون دولار او ما يقارب 1.25 بليون دولار سنوياً، وهذا الرقم يمثل 2 ٪ من النفقات العسكرية الروسية للعام الواحد. ورغم ان روسيا اتخذت خطوات متقدمة لتأمين الخدمات اللوجستية العسكرية فان العمليات العسكرية في سوريا أوصلت قدرات روسيا في هذا المجال الى حدودها القصوى، ودفعها لإيجاد بعض الحلول المبتكرة كوضع العلم الروسي على الطائرات التجارية التركية لاستعمالها في نقل المعدات العسكرية الروسية نحو مسرح العمليات.
تعتمد روسيا وبشكل متزايد على المكونات الاقتصادية والدبلوماسية لسياستها الخارجية، ففي الجانب الاقتصادي قامت شركة النفط الروسية (روسنفط) مؤخراً بالاستحواذ على 30 ٪ من حقل غاز (زهر) المصري وهو أكبر حقل غاز في مصر تم اكتشافه في البحر المتوسط في عام 2015 من قبل شركة إيني الايطالية. ويعتبر هذا الحقل من أكبر الحقول المكتشفة في البحر الأبيض المتوسط متجاوزاً حقل غاز ليفياثان الاسرائيلي. سوف يبدأ الانتاج منه في 2020 والاحتياطي المؤكد 30 تريليون قدم مكعب. ثم وقعت روسيا في شهر شباط الماضي عقداً مع شركة النفط الوطنية الليبية في مجالي الاستثمار وشراء النفط الخام. اما على الجانب الدبلوماسي فقد وسعت روسيا من دورها كوسيط واستطاعت، في سوريا مثلاً، ان تتعامل وعلى نطاق واسع في عدد من القضايا واغلبها على الصعيد الثنائي مع كل من تركيا، وإسرائيل وإيران. وركزت وسائط الاعلام الدولية اهتمامها على الدعم الروسي لزعيم الجيش الوطني الليبي (خليفة حفتر) الذي يعتبر طرفاً الصراع الداخلي على السلطة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والتي تدعمها الأمم المتحدة. وأجرت مؤخراً كل من موسكو والقاهرة تدريبات عسكرية مشتركة هي الأولى منذ الحرب الباردة.
مع فعالية القصف الجوي الروسي في اخلاء مناطق الثوار في سوريا يبقى الاعتماد على القوات الأرضية السورية والمليشيات المتحالفة معها سبباً في صعوبة الاحتفاظ بتلك المواقع على الأرض، كما ان العمليات الجارية في سوريا تمثل وضعاً جديداٍ لم تختبره بعد القوات المسلحة الروسية، فالحملات الجوية التي تنفذها روسيا تعتبر من أكثر الحملات كثافة انخرطت فيها روسيا منذ الحرب العالمية الثانية، وتقدر هذه الحملات ب 45 طلعة جوية يوميا وتستخدم فيها 50 طائرة، والأعباء اللوجستية المترتبة على استمرارها هي اشد مما واجهته روسيا في الشيشان او أفغانستان، بالإضافة الى تعقيدات الحرب في سوريا والمكونات المتعددة للأطراف المشاركة فيها من تعدد قومي واقليمي وطائفي، وحتى خصوم روسيا استفادوا جيداً من الدعم والمساندة الخارجية. ولا بد من الإشارة الى ان الحملات العسكرية الروسية في سوريا تتعرض بدورها لتغطية إعلامية واسعة لم تختبرها موسكو في السابق وتجعل من الصعب إخفاء معاناة المدنيين، ولهذا فان الحصول على بعض المكاسب في المدى القريب سيقابله خسائر في الجانب السياسي وستكون له نتائج سلبية في المدى البعيد.
يمكن القول ان روسيا مثلها مثل أمريكا تكتشف اليوم ان الدخول في الشرق الأوسط هو أكثر سهولة من الخروج منه. وكان واضحاً بالنسبة لروسيا ومنذ بداية تدخلها في سوريا ان الأسد لا يمكنه تحقيق انتصار عسكري كما يرغب هو الا من خلال التزامات عسكرية روسية متزايدة ليس لدى موسكو الرغبة ولا المصادر المادية من اجل انجاحها.

Social Links: