السياسية و العنف في سورية – د عبد الله حنا – الجزء الثالث

السياسية و العنف في سورية – د عبد الله حنا – الجزء الثالث

       البورجوازيات البيروقراطية والأعيان العثمانيون الإقطاعيون

                                         وجهان لعملة واحدة

  سارت البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية من جميع المذاهب في الثلث الأخير من القرن العشرين , ولا تزال , على خطا الأعيان العثمانيين السابقين من ملاك الأرض في احتكار ثروات العباد وترسيخ دعائم الاستغلال والاضطهاد. ويتصف التاريخ السوري في النصف الثاني من القرن العشرين بانتقاله من الاستغلال الإقطاعي ، الذي جرى سابقا باسم الدين ، إلى الاستغلال الرأسمالي الطفيلي متسترا باسم ” الاشتراكية ” ، في البدء ، ثمّ تحوّل إلى الاستغلال باسم ” اقتصاد السوق الاجتماعي ” ظاهريا ، أما عمليا فهو اقتصاد الرأسماليات الطفيلية المنفلتة من عقالها والمحروسة من المباحث السلطانية .

  وكلا الفريقين الإقطاعية القديمة قبل 1958 و ” الإقطاعية الجديدة ” مارست العنف بمختلف اشكاله وألوانه لإستثمار فئات الشعب واحتكار الثروات والتنعم بها والآخرون يتضورون جوعا وحرمانا .

                                                            ( 3 )

            من العنف الكاشف عن وجهه في السخرة الإقطاعية إلى العنف المقنّع في  سخرة البورجوزيات البيروقراطية

  عندما كنت عام 1983 أقوم، بتكليف من الاتحاد العام للفلاحين، بجولة ميدانية في سائر أنحاء سورية لكتابة تاريخ الفلاحين، تقدم أحد الفلاحين في رابطة قطنا الفلاحية وسألني محتجاً: أنت تكتب عن الإقطاع في العهود السابقة، فلماذا لا تكتب عن إقطاعيي هذه الأيام؟.. وسمّى لي أسماء أصحاب المزارع ومعظمهم من المتنفذين من مدنيين وعسكريين، الذين أخذوا الأراضي، حسب قوله، بالمال والسلبطة والاحتيال والتهديد والوعيد وغيرها من الوسائل، التي يعرفها أهل المنطقة، كما ذكر.

     مزارع البورجوازيات البيروقراطية هذه التي اشار إليه الفلاح لا تسهم في عملية الإنتاج ومعظمها أُنشئ للترفيه والسباحة و(شم الهوا) لتلك الفئات التي لم تتعب في جني المال عندما ” اشترت ” تلك الأراضي وحوّلتها إلى مزارع وعبثت بالمخزون المائي . ولا ننسى  أن أحد أهداف شراء هذه المزارع هو غسل الأموال المنهوبة .

  البورجوازيات البيروقراطية هذه تسير على خطى الإقطاعيين القدامى أيام عزّهم في تسخير الفلاحين . ويلاحظ أننا انتقلنا من السخرة الإقطاعية (التي ألغاها المجلس النيابي السوري عام 1957 ) إلى سخرة البورجوازيات البيروقراطية ، التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين ولا تزال إلى الآن  . ولدى كاتب هذه الأسطر أمثلة كثيرة عن السخرة البيروقراطية هذه . ونقدم المثالين أو الظاهرتين التاليين :

 الظاهرة الأولى  تمثلت في أحد البورجوازيين البيروقراطيين وكان رئيسا لمجلس الوزراء  اشترى ” سيادته ” أرضاً بأسعار رخيصة في منطقة قطنا، إلى الجنوب الغربي من دمشق، حيث تكثر مزارع المتنفذين من البيروقراطيين، الذين حصلوا عليها بوسائل شبيهة بما كان يجري أيام العثمانيين . جلب هذا البيروقراطي، مجاناً، واعتماداً على نفوذه في دوائر الدولة معدات تابعة للدولة مع أطقمها البشرية لاستصلاح الأرض. وأتت حفّارة مُلك للجيش وحفرت، مجاناً، بئراً للمزرعة دون أن يدفع ذلك (المعلم) فلساً واحداً. وكان عدد من المجندين أرسلهم آمرهم لخدمة المزرعة وفقاً لمخطط وُضِع مجاناً أيضاً. وظاهرة إرسال المجندين لخدمة مزارع البورجوازيات البيروقراطية أو لبناء بيوتها أو ترميمها ظاهرة عامة ومعروفة .

   الظاهرة الثانية مأخوذة من منطقة ثانية .. أثناء الجولة الميدانية لكتابة تاريخ الفلاحين في خريف 1984 استمعت إلى حديث فلاحتين في جبال العلويين حول الشقاء الذي لَقِيتَاه من جرّاء نقل الحجارة سخرة ً لبناء عدة بيوت لعائلة الآغا اسماعيل الإقطاعي المعروف في المنطقة , منطقة ظهر الجبل التابعة للشيخ بدر . وبعد انتهاء الحديث توجهَت بنا السيارة وهي تصعد الجبل لمشاهدة بيوت الآغا اسماعيل التي بنيت في العهد الإقطاعي عن طريق السخرة . وأثناء الطريق لفت نظري بناء ضخم يشرف على الهضاب المتناثرة الممتدة حتى تلامس البحر أو تكاد . وكانت سيارة شاحنة ضخمة تابعة للجيش مليئة بأشجار الرخام وعدد من المجندين شباب خدمة العلم يقومون بتفريغ الحمولة من أحجار الرخام لكساء هذا القصر التابع لأحد ” المعلمين ” من الضباط , وما أكثرهم . والسخرة هنا تمثلت في وسيلة النقل التابعة للدولة والبنزين المعبّأ من مستودعات الدولة والقوى العاملة, التي تأكل من طعام الدولة وتعمل عند ” المعلم ” . و ” المعلم ” لم يدفع قرشا واحدا في هذه العملية , كما في غيرها من العمليات الجارية لإتمام البناء . أما كيف حصل على الإسمنت والحديد والخشب وغيرها من مستلزمات البناء فهذا أمره معروف وكانت تتداوله الألسن همسا أو وراء الجدران المغلقة .

 هذا النوع من السخرة البيروقراطية في إقطاعيات البورجوازية البيروقراطية يختلف عن السخرة الإقطاعية السابقة والتي انتهت في منتصف خمسينيات القرن العشرين . كانت السخرة الإقطاعية مكشوفة دون أقنعة , وتقف فيها وجها لوجه قوى الإقطاع مقابل قوى الفلاحين المحاصصين المغلوبين على أمرهم والعاملين في أرض الإقطاعي . وهؤلاء الفلاحين كانوا يشعرون بهذه السخرة ويتذمرون منها في السر أو العلن ويتمردون عليها أحيانا . أما السخرة البيروقراطية فهي مقنّعة بقناع “وطني ” قناع ” خدمة العلم ” الوطني ” وتحرير الأرض المحتلة … والمُسخّر ” من المجندين لخدمة العلم  لا يشعر بوطأة هذه السخرة ويسعى بالمقابل للاستفادة منها لصالحه الشخصي  . هنا في حالة السخرة البيروقراطية يكون المجند سعيدا , إن صح التعبير , بهذه السخرة لدى ” المعلِّم ” لأنها تفسح المجال أمامه ” للهرب ” برضاء  آمره المعلِّم وتمضية الوقت كما يشاء …

    والمسخَّر عمليا ليس هؤلاء المجندين الشباب فحسب بل الشعب الذي يدفع الضرائب لصالح  ميزانية الدولة . ومن هذه الميزانية يجري الصرف على تلك السخرة سواء لتجديد نشاط القوى البشرية العاملة في السخرة البيروقراطية , أو لشراء الآلات التابعة للدولة وتستخدم للصالح البيروقراطي الخاص إلى جانب الصالح العام , ولا ننسى ثمن المحروقات التي تهدر لصالح خدمة مصالح هذه الفئات البيروقراطية وخدمها ومن يلوذ بها … وليست هذه السخرة هي الوسيلة الوحيدة لاستغلال فئات الشعب بل هناك وسائل عديدة لا يتسع المجال للحديث عنها ونكتفي بواحدة منها .

  عندما رويت هذه الواقعة لأحد اصدقائي أضاف انه تحدث مع مجند كان يخدم في لبنان ويعود اثناء الإجازة ببعض البضائع المهربة لبيعها والعيش من وراء تهريبها . فسأله صديقي مستغربا اليس عيبا عليك أن تقوم بالتهريب وأنت تخدم العلم ؟ .. فاجاب المجند هذا العمل أي التهريب أفضل من “مجنّد الصينية ” .. فسأله ماذا تعني بذلك اجاب : مجنّد الصينية هو الذي يخدم عائلة ” المعلم ” وتحَمّل مختلف الإهانات والمذلّة من ” الست “واولادها …

 ونحن نتساءل أليست السخرة البيروقراطية هي سبب من عشرات الأسباب التي دفعت الشباب للنزول إلى الشوارع وكسر جدار الخوف أولا والقمع ثانيا . وإذا كانت الكوامن الخفيّة لاحتجاجات التحرك الشعبي غير بادية الآن للعيان . وسيأتي اليوم ، الذي تُزال الحُجبْ فيها عن عشرات الأسباب الإقتصادية الإجتماعية والمعنوية التي دفعت الشباب للنزول إلى ساحة الوغى لتحقيق طموحاتهم وما يعتمل في صدورهم من آمال .

     النهوض الوطني الجماهيري العارم في خمسينيات القرن العشرين شجّع الفلاحين على التمرد ورفض السخرة الإقطاعية بقانون من المجلس النيابي أدى إلى تقليم أظافر الإقطاعيين والتمهيد التمهيد لزوالهم .. فمتى سيحل إصلاح جديد يقلم أظافر البورجوزيات الطفيلية والبيروقراطية ؟ .. وكان من المأمول أن يسهم التحرك الشعبي الجاري  في سورية في ربيع وصيف 2011 على إنجاز هذا الإصلاح ، ولكن انزلاق التحركات نحو العسكرة وتحولها ، لأسباب كثيرة ، إلى صراع مذهبي ذهب بآمال الحالمين من أمثالي أدراج الرياح .

  • Social Links:

Leave a Reply