طلب الي الاستاذ الكريم منصور الاتاسي أن اكتب له في صحيفة اليسار الديمقراطي التي تطل كواحدة من المنابر الوطنية التي تعمل لانهاء الكارثة والخلاص من الظلم والاستبداد، واستئناف بناء سوريا حرة كريمة.
قد يبدو من العسير أن نتحدث عن مشترك بين اليسار والتيارات الاسلامية فهناك تاريخ من الريب لا يسمح باي نوع من هكذا حوار، وإلى جانب القطيعة المعرفية فهناك ايضا تاريخ من المواجهة الدامية بين الشعوب الاسلامية واليسار السوفياتي لا تزال تطبع في الذاكرة صور الشقاق والفطيعة والتدابر.
ولكن الحديث عن التناقض اليساري الإسلامي ليس مسألة محسومة، والاسلام كما اليسار مدارس ومذاهب، والناس وفاقيون وفروقيون، والاختلاف بين مدرسة ظاهر النص ومدارس التصوف الديني كبير ومعقد، ولكن الجميع يجدون مشتركاً كافيا يؤسسون عليه. ولا شك أن البحث عن سبيل اللقاء والوفاق بين الاسلام واليسار لا يبدو أعقد من سبيل اللقاء بين المذاهب الاسلامية اياها، بعد أن أصبح النزاع المذهبي سببا ُ للحروب والدماء.
قناعتي ان الإسلام غني بثقافة الإيمان بالآخر واحترامه وتقديره، وهذا موقف لا يمكن للأصف انتظاره ولا افتراضه في الكهنوت الديني الذي يناضل لتمييز المؤمنين عن الملحدين، ويناضل لاحتكار الله والجنة والخلاص في صيغة واحدة. ومع أن هذه الصفحة قد رصدت لليساسة لا للفلسفة ولكنني أعتقد إن مواجهة هذه الأمور بشجاعة وحزم قد أصبحت شرطاً حقيقياً لبناء المستقبل الوطني، فنحن بالفعل بحاجة إلى إعادة تقويم علاقاتنا الاحتماعية على أساس من الحجة والبرهان وليس على أساس تقاطع السياسة. لقد عاشت سوريا بالفعل وحدة وطنية لعدة عقود، وخلال ذلك كتبت طويلاً عن هذه الوحدة الوطنية المهددة، وأنها لا تعدو أن تكون قشرة فرضت بقوة النظام وسلطانه، وأنها ستنهار عند اول امتحان حقيقي، وأن النفوص ليست قارة على احترام حقيقي للآخر وأننا لا زلنا ندرس الكراهية والحقد، ولا بد لهذه الرياح من الكراهية أن تعصف في النهاية بوحدتنا وجماعتنا.
لقد كانت لغة التكفير تعيش عصرها الذهبي في مناهجنا وخطابنا الديني، وكان من الوارد تماماً أن تخصص خطل ومحاضرات لتشويه كل خطاب علماني وتحويله إلى خطاب كفر وردة والمطالبة بإنزال العقوبة الضارية بمن يلتزمه من الفساق والكفرة، وفي المقابل كان اليسارالوطني لا يتردد في الحديث عن رجعية الخطاب الديني وظلاميته، وكان يفرك يديه بشماتة حين يقوم النظام بسحق حركات التمرد الإسلامية، مهما كانت هذه الحركات سلمية وعقلانية. لقد قلت مراراً إن وحدتنا الوطنية مهددة، وأنها قائمة على ثشرة ما تلبث ان تتكسر عند أول امتخان، ولكنني بالفعل لم أتخيل ان يكون أول امتخان لسحق هذه الوحدة الوطنية سيقوم به النظام نفسه وأنه هو من سيدمر هذه المشاعر الوحدوية بين الناس وأنه سيتصرف بعقل ميليشاوي ويستقدم أنصار الطائفية المتعصبين القادمين ألوية وكتائب برايات طائفية سوداء هيهيات منا الذلة ويا حسين، وكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء، يتحدثون بألسنة أعجمية وروسية وافغانية، ولا يؤمنون بشيء من سوريا التاريخية لا وحدة ولا حرية ولا اشتراكية، ولا يرون لسوريا حضناً عربياً، ولا خصوصية تاريخية، وأن أليق ما يفعلونه بسوريا هو ربطها بالمحور الفارسي اللاهوتي الذي يتناقض بالكلية مع كل أهداف البعث وشعاراته منذ خمسين عاماً. وإلى جانب خطايا النظام فإن الانهيار المجتمعي انتقل على الفور إلى المجتمع الذي تحول بفضل خطايا النظام إلى خنادق متقابلة سوداء تعصف بها الريب من كل وجه وتحسم فيها البنادق والفؤوس والرصاص. لا أريد ان أكتب في بلشفة الإسلام وليست لدي الرغبة ان أعبر عن الإسلام بعبارات زئبقية ملونة تصلح في كل منبر، فالاسلام له شعائره وقيمه، وهي حاسمة في مسائل التوحيد، ومن العسير أن تقبل استضافة فهم آخر لتأويل الكون لا ينسجم مع أصول التوحيد. ولكنني أشعر باحترام كبير لكفاح اليسارالعربي من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة، وبدون أدنى تردد فأنا أعتبر أن ذلك من أوثق عرى الإسلام وأعز مقاصده، وهو ما تعمل الصلاة على إحيائه في الإنسان بوصفها تمرداً على كل إله أو شبه إله وانصراف بالكلية في التوحيد إلى الخالق دون سواه، وازدراء كل أشكال السجود والخضوع للاستبداد والظلم والتوحش، وهو ما شرحته كلمات بيضاء لفيلسوف الإسلام إقبال: ليس السجود تهدل الكتفين من طول القعـود ما كان أغنى عن سجـــــود آخر فهو السجود إنها مشتركات في مشوار الكفاح الطويل من أجل الحرية والكرامة قد لا تبدو خيوطها متقاربة للناس، ولكنها ليست كذلك عند الذين يريدون بناء الأوطان ويؤمنون بقول الله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاحاً فاستبقوا الخيرات.
إن الصلاة والصيام والحج شرط لدخول الجنة ولكنها ليست شرظاً لدخول الوطن، وإن الخلاص الأخروي بالقيامة أو بالدينونة أو بالنيرفانا له شروطه وشعائره ومناسكه ومعابده، ولكن الدخول إلى الوطن لا يتطلب أكثر من الاخلاص للتراب والناس واحترام القوانين وهذه قيم مشتركة بين كل اتجاه اسلامي او علماني.
أرجو أن تساعدنا الأيام ونكتب في هذاه الصفحة في المشترك الاسلامي اليساري وهو في قناعتي كثير، وسيكون أمراً رائعاً أن تقتح صحيفة يسارية صدرها لخطاب ينظلق من منطق قال الله وقال رسوله، وأن يتقدم كاتب إسلامي ليرسم قيم الإسلام وشعائره على منصة يسارية، ترقد فيها كل أحلام السوري التائه وآماله في الحرية والكرامة واليقين.

Social Links: