بشار جابر
تحول خلاف بين مليشيا “حزب الله” اللبناني ومليشيات موالية للنظام، إلى اشتباكٍ مسلح، في حلب، وهي أكثر المناطق التي قاتل فيها الطرفان سوياً، بعدما تمكنا من فك الحصار، في فترة سابقة، عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين، أحد أكبر الأهداف الاستراتيجية لـ”حزب الله” بعد المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان.
وشهد محيط نبل الغربي، شمال غربي حلب، تطوراً للخلافات بين “حزب الله” وقوات النظام، كنتيجة مباشرة لإصدار النظام قراراً بسحب المليشيات الموالية له من المنطقة، والتي كان قد دربها كل من “حزب الله” والمليشيات الإيرانية. وتلك المليشيات الموالية للنظام، كانت تعمل في سوريا لحماية مناطق النفوذ الإيرانية، التي أرادتها إيران ضمن استراتيجية “الحماية الشاملة والدائمة” التي تنفذها. وتبنت إيران تدريب أكثر من خمسة آلاف مقاتل سوري منذ سنتين، لحماية مناطق لا تُريد التنازل عنها، أو حتى تعريضها لضعف لوجستي-عسكري.
وبحسب مصدر مقرب من “اللجنة الأمنية المركزية” في حزب “البعث”، فإن انسحاب مليشيات تتبع عسكرياً للنظام، من حلب، تم بالاتفاق مع الحليف الروسي الذي سلمه النظام قراءة الحدث العسكري وتبني القرار فيه. وهذا ما فرضته روسيا على إيران، في الاجتماع الثلاثي الذي عقد بين وزراء الدفاع الروسي والسوري والإيراني، في طهران.
وبحسب ما أفاد المصدر لـ”المدن”، فالنظام السوري خرج عن الإرادة الإيرانية، وأن إيران لم تتقبل وضعاً ضعيفاً في سوريا، على الرغم من تقبل الروس اشتراط إيران مواضع للنفوذ، تمتد في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا، والمناطق التي يتواجد فيها الشيعة بكثرة. أي إن إيران أُجبرت بشكل أو بآخر على تسليم مواقع نفوذها لروسيا، على الخريطة السورية، وهذا ما يخرجها من القيادة العسكرية البرية في سوريا، ويجعلها طرفاً خارجياً عليه أن يقر بمواقعه ونشاطاته كأي فصيل عسكري يقاتل في سوريا، بلا أي مزايا إضافية.
هذا السبب جعل من موقع عسكري مشترك بين قوات النظام و”حزب الله” في تلة المياسات القريبة من “المدينة الصناعية” شمالي حلب، تحت دائرة النار. فالموقع إما أن يكون قد ضُرب جوياً بالخطأ، أو أنه خارج نطاق الخريطة الآمنة والمسموح بها، من وجهة نظر الروس وإرادتهم، بحسب المصدر. فالمواقع التي تتواجد فيها مليشيات إيران و”حزب الله”، أصبحت خارج الخريطة الآمنة، بالنسبة لإدارة القوات الفضائية الروسية الآمرة. وبعد تعرض الموقع للقصف الجوي، اندلع اشتباك بالاسلحة المتوسطة، بين الحزب وقوات النظام، استمر لساعتين من فجر الخميس، تبعه انفجار في مستودع أسلحة.
الاشتباك بين “حزب الله” وقوات تتبع النظام، سببه عمليات الانسحاب السريعة والخاطفة التي يقوم بها النظام من مواقعه في محيط حلب. فانسحبت مليشيا “صقور الصحراء” منذ فجر الجمعة، من محيط نبل والزهراء ومن طريق حماة-حلب، نحو مدينة اللاذقية، ومن ثمّ انسحبت مليشيا “قوات العرين حزب الله” التابعة ليسار الأسد. ومليشيا “قوات العرين” كانت قد دُربت لتكون رديفة لـ”حزب الله” اللبناني أينما قاتل، خاصة في المناطق الشيعية المحاصرة. انسحاب تلك القوات أدى إلى غضب إيراني شديد، وغضب مضاعف من عناصر “حزب الله”، ما تطلّب اتصالات مع قيادة الأمن العسكري في دمشق، أحد أكثر الأجهزة الأمنية ولاء لإيران، لإيقاف عمليات الانسحاب.
انسحاب مليشيات النظام لم يتوقف، خلال الأسبوع الحالي، ما جعل “حزب الله” وحيداً في محيط مناطق تتزايد فيها لسعات المعارضة وضرباتها. ويُشير مراقبون إلى أن “حزب الله” بات يدفع ثمن تسويات تعقدها روسيا. ويبدو أن الهدنة الجديدة التي أعلن عنها في حلب، من قبل روسيا، كانت هذه المرة، بطلب حلفاء النظام، الذين يتعرضون لضغط عسكري كبير من قبل المعارضة المسلحة.
وأدت الضربة الجوية على تلة الميسات، لرفع مستوى التوتر بين “حزب الله” ومليشيات النظام، ما جعل الاشتباك الذي حدث، نتيجة لمخاوف عناصر “حزب الله” من الطعن بهم من الظهر، جواً وبراً، خاصة وأن النظام فقد قيادته العملياتية لمجريات الحرب، كما فقد حلفاؤه المقاتلين معه ثقتهم بهِ.
الاشتباكات بين الطرفين كانت بسيطة، ولم تتجاوز استخدام الأسلحة المتوسطة. وبحسب مصادر “المدن” فإن أكثر ما حفّز اندلاع الاشتباك كان انشقاق قيادات عسكرية إيرانية ولبنانية من المليشيات السورية المنسحبة، ووقوفهم إلى جانب عناصر “حزب الله” الذين رفضوا الانسحاب. فالمقاتلون السوريون استجابوا للانسحاب خلافاً لإرادة بعض القادة الميدانيين الإيرانيين ومن “حزب الله”.
ووصل إلى مدينة اللاذقية عشرون جريحاً، وأكثر من عشرة قتلى، وفق ما أكدت مصادر “المدن”. ولم يعرف رقم محدد لإصابات مقاتلي “حزب الله” لكن مقاتلين سوريين، أكدوا سيطرة “حزب الله” على مستشفى ميداني بالقرب من بلدة نبل، لإسعاف جرحاه.
ويبدو الاشتباك بين “حزب الله” ومليشيات النظام، نتيجة للتدخل الروسي الحاسم في الحرب السورية. الخلاف اليوم على مواقع في الخريطة، يوجب على الحلفاء الخروج منها، وإلا أصبحوا تحت الضربات الجوية الروسية. ويشير مراقبون إلى أن الاشتباكات لن تتطور، فالحزب سيعيد تموضعه في سوريا بحسب الإرادة الروسية، على الرغم من الغضب الإيراني. ويشير آخرون، إلى أن إيران قد ترد باندفاعة قصوى، في تحدٍ واحراج للإرادة الروسية المتعاظمة.

Social Links: