الثائر الشهيد عبد الرحمن الكواكبي فرادة الفكر و شجاعة المفكر
مصطفى الدروبي
18 – 06 – 2016 في 13 حزيران الجاري مرت الذكرى الـرابعة عشر بعد المئة لاستشهاد المفكر السوري الحلبي الشجاع عبد الرحمن بن أحمد بن محمد مسعود الكواكبي ( 1855م – 1902 م ) والذي ولد بحلب وترعرع في بيئة علم وثقافة وفقه وذلك إبّان عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فتقلد مناصب عدة ونجح بها بشكل ملفت ثم اندار بعد ذلك إلى ممارسة العمل الصحفي كمحرر في جريدة الفرات الرسمية مسلطاً قلمه في فضح فساد الولاة وانعكاس ذلك على حالة الرعيّة مؤمناً بدور الكلمة وتأثيرها السحري في رفع سويّة وعي العامة وإضاءة طريقهم نحو العدالة والحرية والكرامة من خلا إشاعة العقلانية والتنوير حيث يقول الكواكبي : ( فالمستبد لا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة وإنما يتلهى بها المتهوسون .. لكن ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم أو سياسة المدنية .. وغيرها من العلوم الممزقة للغيوم، المبزقة للشموس، المحرقة للرؤوس) .. لكن الوالي وبطانته الفاسدة حينها قد ضاقوا ذرعاً به فاضطر الكواكبي إلى تركها و إصدار صحيفة الشهباء والتي لم تعمّر كثيراً كون السلطة لم تستطع تحمّل جرأته في النقد …فأصدر الاعتدال وكان مصيرها كسابقتها. كان الكواكبي لصيقاً بالناس ..عارفاً بهمومها مطلعاً على معاناتها حيث الاستبداد يثقل كاهلها ويسحق روحها ولذا أصبحت قضية الاستبداد هاجسه الرئيس آخذا مهمة دراسة هذه الظاهرة الخطيرة التي كانت تؤرّقه وهو الذي اتسم على الدوام بسمو النفس وعفتها وسعة مداركه وحبه لبني قومه وسعيه الدؤوب للإصلاح فوقف له والي حلب بالمرصاد.. فاستقال من عمله الوظيفي. إن أهم مؤلف انكب الكواكبي على إنجازه هو كتابه القيّم ( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ) حيث برع وبعبقرية مدهشة بتشخيص الاستبداد السياسي من خلال قلمه الحاذق والشجاع مبيناً أسبابه كظاهرة حكم مقيتة …وشكل حاضنة الاستبداد وكيف يجهد المستبد على إطالة عمر سلطته الاستبدادية ..وماهي الأساليب الخبيثة التي يلجأ إليها وبطانته لديمومة سطوته واستمرار ظلمه …ثم يحلل نفسية المُسْتَبِد والمُسْتَبَدْ وما تنتجه آليات الاستبداد من منظومة قيم تحط من قدر الإنسان وقيمته وتسوق البشر نحو الطاعة العمياء والركوع والتملق والنفاق ..حيث يقول في هذا المجال : (أسير الاستبداد لا يذوق في الكون لذةً نعيم، غير بعض الملذّات البهيمية وبناءً عليه يكون شديد الحرص على حياته الحيوانية وإن كانت تعيسة وكيف لا يحرص عليها وهو لا يعرف غيرها ؟! ). ثم يقول في موضع آخر : (أقلَّ ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس, أنهُ يُرغمُ حتى الأخيار منهم على إلفة الرِّياء والنفاق. ). ثم يبين رأيه في القطعان التي يختارها المستبد ليضعها في خدمة سلطته وديمومة سلطانه ..حيث هم من حثالة الناس وأكثرهم خسة وأسفلهم طباعاً…وما قاله عن هؤلاء ينطبق تمام الانطباق على ( المنحبكجية والشبيحة ) وعبيد الطاغية الأسدي والذين ارتكبوا الأفعال المشينة والوحشية بحق أحرار وحرائر سوريا بُعَيد اندلاع ثورة الحرية والكرامة وما زالوا مستميتين في خدمة معبودهم الأرعن…حيث يقول : ( الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنّاس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أي كانت ولو بشراً أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه، وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش الممجدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة, وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً، ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة ). . ويعري فقهاء السلطان السابحين بحمده والمبررين لجرائمه والمتسولين على أبوابه فيقول 🙁 من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كل معارضة لهم بغيًا يبيح دماء المعارضين؟! ). لقد استطاع الكواكبي الثائر في سفره هذا أن يغوص ببراعة منقطعة النظير في شرح تفصيلي اتسم بواقعية شديدة في دراسته لظاهرة الاستبداد ومخرجاته … وحيث أننا لا نستطيع وبهذه العجالة أن نمر على هذا الإرث الطيب بالشكل الكافي فالمقام لا يتسع لذلك …وكثيرة هي الأقلام التي تناولت مضمون هذا العمل الجليل لمفكر شامي رصين….ولى وجهه صوب مصر هرباً من الاضطهاد فكان عسس السلطان له بالمرصاد. ورد وسلام لروح النهضوي الكبير عبد الرحمن الكواكبي في ذكرى رحيله والخلود لذكراه.

Social Links: