أحاول أن أتخيل ثورات الربيع العربي بدون وجود داعش والقاعدة والإسلام السياسي بشكل عام . أحاول أن أتخيل العراق بدون تغُّول الأحزاب الدينية الموالية لإيران ومحاولة الهيمنة على الدولة والمجتمع العراقيين بإسم الطائفة والدين . أحاول أن أتخيل مصر بعد سقوط حكم عائلة مبارك بدون تغوُّل إخوان مصر على السلطة هناك ومحاولة الهيمنة على الدولة وأَخْوَنٓتها. أحاول أن أتخيَّل حال ليبيا ما بعد ديكتاتورية القذافي لو لم تظهر فيها التنظيمات الأصولية التي أرادت الهيمنة على ليبيا بحجة الدفاع عن الإسلام والشريعة الإسلامية. وأيضاً أحاول أن أتخيل مصير ثورة الشعب السوري لو لم يقم الإخوان المسلمون بمحاولة الهيمنة عليها وأسلمتها وتسهيل الطريق أمام ظهور التنظيمات التكفيرية كداعش والنصرة وجميع الفصائل التي أسقطت علم ثورة الحرية والكرامة ورفعت راياتها السود مكانه، كما واستبدلت شعارات الحرية والخلاص من الاستبداد بشعارات رفض تحكيم صندوق الإقتراع، ورفض الديمقراطية كوسيلة للحكم وتداول السلطة وإعتبارهما كفراً، والإدعاء أن الحاكمية لله وشريعته بحسب رؤية كل فصيل لتلك الحاكمية وفهمه للشريعة.
لو لم تهيمن إيران على الدولة والثروة العراقية من خلال دعم أحزاب عراقية دينية وبشعارات طائفية ، ولو كان هناك نوايا أمريكية صادقة بدعم إنشاء عراق ديمقراطي وطني بعيداً عن المحاصصة الطائفية والهيمنة الإيرانية ، هل كان العراق اليوم في كل هذا البؤس والتشظي؟؟ ،
وهل كانت داعش قادرة بفكرها الظلامي القرووسطي على احتلال ثلث مساحة العراق وهزيمة الجيش العراق المنقسم طائفياً بهذه السهولة، لتنتقل بعدها الى سوريا وتصبح السرطان الذي يفتك بجسد الدولتين والشعبين؟؟. أليس العراق بنفطه ونهريه وخصوبة تربته ومستوى التعليم لدى شعبه من أكثر دول المنطقة قابلية للتطور والنمو لو تم مساعدة شعبه على انشاء نظام سياسي عصري ؟؟. لولا نظام المحاصصة الطائفية الذي فُرض على العراق ، والذي قسم المجتمع العراقي بين الإسلام السياسي الشيعي والسني ( تطرف جهة يؤدي الى تطرف الجهة المقابلة)ومكنهما من التحكم بخيرات العراق وتحويله الى إحدى أكثر الدول فساداً في العالم. لو توفرت حكومة وطنية عراقية بعيداً عن الإسلام السياسي ونظام المحاصصة الطائفي الذي جعل العراق بكل ثرواته وطاقات شعبه فريسةً سهلة لكل طامع ، وخاصة إيران ونظام الملالي الذي يحكمها، لكان العراقيون اليوم بالتأكيد أكثر سعادة واطمئناناً؟؟. لو أنصت إخوان مصر للنصائح الكثيرة التي وصلتهم بضرورة عدم المس بحيادية الدستور المصري وعدم التغُّول ومحاولة الهيمنة على السلطة والدولة المصرية من خلال استخدام الديمقراطية والإنتخابات لمرة واحدة ومن ثم الإنقضاض عليها على الطريقة الخمينية ، لما فتحوا المجال لعودة الإنقلابات والعسكر للحكم ، فمصر كما سوريا والعراق متعددة الأديان ونسبة لا بأس بها من المصريين ترفض الفكر الأحادي الإخواني ومستعدة لدعم إنقلاب عسكري ضده خوفاً من ظلامية فكره وإمكانية جنوحه نحو المزيد من التطرف . لكن هذا النوع من الفكر الأحادي الذي يدعي تمثيل الله سبحانه وتعالى على الأرض ، ونتيجة شهوته للسلطة والحكم لا يهتم بمصير شعبه ودولته وإقتصاده . لقد طرح إخوان مصر ومنذ خلافهم الشهير مع عبد الناصر فكرة الإسلام هو الحل ، وساهموا من خلال صدامهم معه في توطيد حكمه الأحادي، وإرساء دعائم حكم العسكر في مصر الذي استمر حتى سقوط نظام مبارك، الذي استخدمهم بدوره كفزاعة للإيحاء لمنتقديه الغربيين بأن بديله سيكون أسوء وثبّت بذلك نظامه وحٓكٓمٓ مع عائلته مصر ثلاثون عاما. عندما انتصرت الثورة المصرية وقرر الرئيس مبارك مغادرة السلطة ، وجد الإخوان أن الطريق أصبحت مفتوحة أمامهم لبناء دولتهم الإسلامية على الطريقة الإيرانية عبر استغلال نجاح مرشحهم بنسبة لم تتجاوز الخمسين بالمائة إلا قليلا ومحاولة سن دستور وقوانين تُثبِّت حكمهم ومن ثمَّ التفرغ للقضاء على خصومهم تدريجياً كما فعل الخميني في إيران، مما وحد مختلف شرائح الشعب المصري ضدهم ومهّد الطريق لإنقلاب جديد وعسكر جُدُد مدعومين شعبياً هذه المرة، وضياع خمس سنوات من عمر مصر وشعبها وإقتصادها الهش من دون أي تنمية تذكر. هل مصير مصر وديمقراطيتها وثورتها وإقتصادها كان أفضل لولا تغوُّل الإسلام السياسي ومحاولته الهيمنة على الدولة والمجتمع المصريين ؟؟. أنا أجزم بأنه كان أفضل بكثير. لقد شكل المجلس الوطني الليبي وزعيمه الجليل مصطفى عبد الجليل الذي قاد نضال الشعب الليبي ضد ديكتاتورية القذافي مثلاً يحتذى في العمل الدؤوب وأيصال ليبيا ما بعد القذافي الى أول انتخابات حرة فيها ، لكن الإسلام السياسي الليبي أيضا استغل هذه الإنتخابات وحاول الهيمنة على الدولة الليبية، وتشكلت مليشيات أنصار الشريعة التي تحالفت مع كتائب درع ليبيا المدعومة من الإخوان المسلمين وقامت بمهاجمة مواقع الجيش الليبي والسيطرة على أسلحته ، مما دفع بعض الضباط الليبيين الى تشكيل قوة مضادة لها فحصل الإنقسام وتحولت ليبيا المستقرة نسبيا تحت حكم المجلس الوطني المؤقت الى ساحة لحرب أهلية بين ميليشيات الإسلام السياسي وبقايا الجيش الليبي الرافض لهيمنتهم ، مما أوجد أرضاً خصبة لإنتقال تنظيم داعش الى ليبيا مستغلاً الفراغ الأمني في الكثير من المناطق الليبية وبدأ بمحاولة تأسيس فرعاً لخلافته المزعومة هنا، مستفيداً من الأموال التي يجنيها من خلال سيطرته على بعض آبار النفط،وهي حالة أخرى من حالات محاولة الهيمنة الإخوانية التي أطاحت بإمكانية نشوء حكم ديمقراطي قابل للحياة في ليبيا الغنية حدا بنفطها وليتم إحباط شعب آخر بنى آمالاً كبيرة على الثورة التي أطاحت بطاغيته.

Social Links: