سياسات الشارع والرهان على الذاكرة في الشرق الأوسط

سياسات الشارع والرهان على الذاكرة في الشرق الأوسط

2/2

القراء الأعزاء، عرضنا يوم أمس الجزء الأول من هذه الدراسة، واليوم نعرض الجزء الثاني منها

محمد تركي الربيعو

الزحف الهادىء للمعتاد:

 

هذه المرة جاء الدرس من المدرسة السوسيولوجية وتحديدا من الباحث الإيراني/الأمريكي آصف بيات، حيث يبدو لنا من خلال تتبعنا للعديد من دراساته التي نشرها بين عامي 2001 و2009 والتي جمعت لاحقا في كتاب بعنوان «الحياة سياسة» بأنه ابن المناخ السوسيولجي الجديد الذي أشرنا إليه في بداية المقال، وهو ما بدا بشكل جلي من خلال حديثه عن سمات ما دعاها بـ»اللاحركات الاجتماعية» في الشرق الأوسط، والتي أخذ يقودها «الناس العاديون» داخل فضاءات السلطة (الشوارع، والأسواق، والميادين) بشكل سلبي. فقد بدى لبيات أن تجار التجزئة الذين يفرشون بضاعتهم في الشوارع، وسكان العشوائيات الذين يحتلون الحدائق العامة ويستولون على الأرض أو الشوارع الخلفية، والشباب الذين يحتلون فضاءات على ناصية الشوارع، والنساء اللواتي يهملن رموز اللباس في الأماكن العامة، كل هؤلاء يتحدون تنظيمات الدولة عبر ممارسات تخلط الانتهاك الصامت لكل ما هو معتاد في الممارسات العادية للحياة اليومية، وهو ما أخذ يؤدي إلى إحداث تغيير اجتماعي كبير وخلق هويات مشتركة جديدة داخل يوميات الشرق الأوسط.

 

بيد أن المأخذ على رؤية بيات رغم جديتها على المستوى السوسيولوجي، إنه بقي يقدم في دراسته لهذه العلاقة بين السلطة/الحركات اللاجتماعية (المقاومة)، تصورا معينا لممارسة السلطة وكأنها عملية خارجية يمكن أن تكون قادرة على إكراه سلوك المسيطر عليه، بدون أن تتغلغل في وجدانه وعقله.

 

ولتوضيح هذه المسألة، يمكن الإشارة هنا إلى دراسته «النسوية في الحياة اليومية»، حيث يشير بيات في هذه الدراسة إلى أن النشاطية السياسية للمرأة الإيرانية تتوافق مع ما سماه جيمس سكوت في دراسته «الاقتصاد الأخلاقي للفلاح» بـ»أشكال المقاومة اليومية»، التي وصف من خلالها نضالات الفلاحين الفقراء في جزيرة جاوه في إندونيسيا للتعايش مع تجاوزات الطبقات المسيطرة عن طريق ذلك النوع من الافعال الفردية غير المتفرقة وغير المباشرة مثل الاستقطاب والطاعة الزائفة وتشويه السمعة والتجسس. إذ يرى بيات أنه اذا ما نظرنا إلى حالة المرأة الايرانية من هذا المنظور فإنه يمكن القول إنها تقاوم في ممارساتها اليومية سياسة الدولة التي تقلل من حقوق المرأة.

 

بيد أن ما لم يتنبه اليه بيات عند اعتماده على دراسة جيمس سكوت، هو أن الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب تقوم على أن العوام كانوا قبل انتصار الرأسمالية يتقاسمون أخلاقا قائمة على التبادل المتقابل للهدايا والخدمات واعادة التوزيع في أوقات الحاجة، وأن اعمالهم هذه رغم عشوائيتها فهي تؤهلهم لاعتبارهم قوى تاريخية. ولذلك فان ما يأمل سكوت كشفه في هذا المجال الاجتماعي الصغير (كما أشار إلى ذلك تيموثي ميتشل في سياق قراءته لدراسة سكوت السابقة)، هو أن الأخير غالبا ما يسعى إلى العثور على «مكان لا تخترقه لعبة السلطة، مكان يصبح فيه الخطاب حقيقيا، وهو يبحث عن ذات جماعية هي كاتبة أبنيتها الثقافية وأفعالها، تشكل «بداية» أو نقطة أصالة جنينية.. وتتمثل وسيلة تأكيد كونهم قوى تاريخية في اكتشاف اصالتهم، استقلالهم الاصيل، والنتيجة هي فكرة جوهر مستقل عن التابع، ونظرية عن السلطة تقبل دون تساؤل القطيعة بين المادي والايديولوجي، فهي سلطة تمارس الاكراه وتفرض قيودا على خيارات الناس، لا سلطة تعمل من بين أمور أخرى من خلال خلق حقائق وموضوعات استقلال ظاهري»( تيموثي ميتشل ..المجازات اليومية للسلطة، ص153).

 

وهو خطأ وقع به بيات كما نعتقد، من خلال تضييق مفهوم السلطة التي مارستها الثورة الاسلامية في ايران 1979 على المجال العام الايراني عبر افتراض ثورة اسلامية مسيطرة مقابل ذهنية ايرانية منفتحة ومسيطر عليها، أي انه افترض نظرية عن السلطة تقبل القطيعة بين المادي (الشارع الايراني) والايديولوجي (الثورة) الذي يمارس الاكراه ويفرض قيودا على خيارات الناس فقط عبر فرض القوانين وقوات الباسيج، دون أي محاولة للكشف عن دور السلطة التي تعمل على ترتيب الأشياء بأسلوب مرهف وغير مرئي» كما يرى فوكو، وهو الأمر الذي بينته باتقان الانثربولوجية الفرنسية اميلي لورنار في سياق دراستها لمسألة الفصل المجالي بين الرجال والنساء في مدينة الرياض، والذي غالبا ما نظر له اما على أنه من معالم تقاليد عريقة أو انه يعبر عن ثقافة وهابية (فرض ايديولوجي سلطوي) في مقابل «مجتمع ما قبل الغزو النجدي» كما لمحت إلى ذلك الأنثربولوجية السعودية مي يماني في كتابها «الهوية الحجازية». وهذا ما رفضته لورنار كونه يهمل السياسات العامة التي وضعتها الدولة السعودية في الستينيات والتي أخذت تبدو بمثابة العامل الغير مرئي او الحيادي لدى جل الباحثين، مع أنها قد تكون العامل الرئيسي الذي أفرز فضاءات عامة مخصصة للرجال وممنوعة عن النساء. ذلك أن اعادة بناء المدينة على نمط المدن الأمريكية حيث الشوارع الرئيسية المشكلة للاحياء السكنية طويلة وتتلاقى باتجاه تقاطعات الطرق الرئيسية، وتعميم نمط الفيلات بين الناس الميسورين بجدران مرتفعة، قد اختلف مع مخطط المدينة العتيقة الذي كان يتميز بأزقته القصيرة وقرب المنازل من بعضها، مما كان يسمح بتجول النساء على اقدامهن بين المنازل، ولكون المدن الجديدة باتت ممتدة جدا وتحتاج للسيارات فان الزيارات العائلية لم تعد تقع فجأة، بل بدأت تقل تدريجيا، وهذا يعني أن التطبيق الصارم للفصل الجنسي اخذ يصدر في الوقت نفسه عن ترتيبات الدولة.

 

ولعل هذا البعد الذي لا تبدو فيه تقنيات السلطة, هو ما نفتقده في دراسات بيات رغم أن حديثه حول دور اللاحركات قد أثبت نجاعته الاجتماعية كما بدى في احداث الربيع العربي، بيد أنها بقيت كما يرى ساري حنفي في قراءته لعمل بيات «غير قادرة على توفير بديل عن الدكتاتوريات، ولذلك غالبا ما بدى الكتاب مبالغا في تنظير الجانب الاجتماعي ومقل في تنظير الجانب السياسي» (مراجعة في مجلة عمران) وربما ادراك هذا القصور هو ما دفع بيات لاحقا إلى وصف الثورات العربية ب»الاصلاحات الثورية» في ظل بقاء وعودة دوائر النظام القديم للعمل من جديد.

 

الذاكرة في مقابل السلطة:

 

مع ذلك يبدو أن هذه الأعمال رغم الملاحظات السابقة ما زالت تطرح عددا من الاسئلة، وخاصة في ظل هذا الواقع الصعب الذي أخذت تعيشه المنطقة بعد خمس سنوات من اندلاع الثورات العربية، وما شهدته من تحولات على المستوى الاجتماعي والسياسي وحتى الديموغرافي.

 

وهو ما كان محل اجابة في دراسة تشارلز تريب «السلطة والشعب: مسارات المقاومة في الشرق الاوسط» الصادرة قبل ايام معدودة عن الشبكة العربية للابحاث والنشر. اذ يلحظ القارىء أن الكتاب هو عبارة عن تقديم قراءة تاريخية لمسار المقاومة المجتمعية في الشرق الاوسط عبر الاستعانة بالدراسات الجديدة حول السوسيولوجيا السياسية والتي اشرنا اليها سابقا، وهو ما بدى من الصفحات الاولى للمقدمة عبر اعتماد تريب على المنهج الذي اعتمدته ليزا وادين في قراءتها لتاريخ المقاومة الرمزية في سوريا. حيث يرى تريب أن روايات المقاومة والتي يخصص لها ستة فصول في دراسته للتحدث عن كافة أشكالها (العنيفة، الجسدية، الرمزية) داخل الشرق الأوسط، قد تشجع على رؤية اطول تتجاوز المحصلات قصيرة المدى المباشرة لعملية المقاومة. فالحركة التي قد تكون نورت الالاف والهمتهم يمكن أن تعيش في قوة الذاكرة. وهو ما قد يوفر الذخائر للمقاومة الهادفة في المواجهات المستمرة مع السلطة على مدى عقود.

 

فالرواية والمخيلة الفنية والتاريخية لا تنطوي على تاثير مساعد فحسب، بل لديها القدرة على اخراج الناس من انفسهم وتخيل السلطة على نحو مختلف، وهو ما يشجع الناس على التفكير في السلطة خارج التصنيفات التي يستخدمها النظام القائم. مما يمكن أن يكون غاية في الاهمية من حيث المساعدة في منع المقاومة من أن تصبح مشابهة كثيرا للسلطة حيث أنها بالفعل متشابكة معها بصورة وثيقة إلى درجة أنها في نهاية الحال تقوم باعادة انتاج كثير من أكثر ملامحها القمعية.

 

ولعل ما يؤكد على رؤية تشارلز تريب حيال الرهان على الذاكرة، هو مضمون الهتافات المناوئة لوزارة الداخلية المصرية التي أطلقها مشجعو «الالتراس الاهلاوي» قبل أيام قليلة في ذكرى تخليد شهداء النادي الأهلي بأحداث بورسعيد، مما دفع برئيس البلاد السيسي والذي كان قد تجاهل مئات الدعوات من قبل الاحزاب والجماعات السياسية إلى أن يقوم بطرح مبادرة للحد من اثار هذه الهتافات الموجهة إلى وزارة الداخلية (الدولة العميقة) عبر محاولة تحويل هذه الفعل الاحتجاجي ضد السلطة المصرية إلى حدث جنائي يتعلق بكشف الملابسات عن الواقعة وذلك خوفا من تكرار دور هذه الحركات في احياء ذاكرة مقاومة السلطة والاحتجاجات لدى الناس العاديين (وخاصة أن الالتراس من خلال هذه الهتافات استطاع توسيع قاعدته الشعبية). وهو ما يعني بأن الذاكرة الاحتجاجية ما تزال تقض مضجع هذه السلطات، وأن احياء هذه الذاكرة بات بمثابة شكل جديد من أشكال المقاومة التي لا بد من تفعيلها في ظل الشتاء الذي تعيشه المنطقة.

  • Social Links:

Leave a Reply