بعد إثبات حسن السيرة والسلوك في مقر فرع ” البيضة مين باضها ” ورفض عيواظ لهدية الكشك. جال الضابط بنظراته الخبيثة مخاطباً كراكوز سأعفو عن صديقك بشفاعتك بشرط أن تكتبا خطاباً عن الوضع الراهن للبلد تذكرا أن خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، مشيحاً بنظره نحو عيواظ ( وبلا لت وعجن ) مفهوم سألقى الكلمة في اجتماع الفروع .
يبدو أن كراكوز يريد قول شيئاً( سيدي.. ) يستمر الضابط بكلامه: (صاحب الخطاب الأفضل سيحصل على هدية وكل من يظن أن مستوى فهمه فوق الحكومة سيبقى جوعان، فهمت ياضرسان أنت وأياه معكما أربع وعشرون ساعة لا غير، انصرفا من أمامي ملت عيناي من النظر لرقعة وجهيكما. ياسراج أدر التلفاز.) يُقلب سراج بين المحطات كمن يقفز من كوكب لكوكب فتصدح أغنية “واوا بوس الواوا خلي الواو يصح… ) يغوص الضابط بكرسيه وينتفخ كحبة البوشار الموشكة على الانفجار مردداً كلمات الأغنية ” واوا …”
يخرج صديقانا من الفرع، يتمتم كراكوز بعبارات خافتة وأنفاس متسارعة : (عدنا بخفي حنين وزيادة على ذلك كتابة خطاب.)
عيواظ : تصحيحاً لمعلوماتك خرجنا بكرامتنا.
كراكوز : أين أصرفها ، قال كرامة قال ، هل ستطعمنا وتسقينا وتستر عرينا .
عيواظ : تفعل أكثر من ذلك .
يفترقا ليلتقيا بعد أربع وعشرين ساعة في غرفة الضابط، يبدو المشهد كأول يوم دراسي، الضابط المدرس الصارم بحاجبين مقطبين اتجاه الصديقين التلميذين المجد والكسول، يومئ الضابط بحاجبيه بالتفاتة بسيطة باتجاه كراكوز أن يبدأ بقراءة الخطاب.
كراكوز : يشعر أنه على مسرح دار الأوبرا في نيس، الأجواء معتمة عدا ضوء مسلط عليه أوكسترا وهمية من النساء الجميلات في مخيلته تنشد أوبرا، تخفت الموسيقا وتخفت ليغرد، لا بل لينعق كالغراب :
كراكوز : ياسادة ياكرام مررنا بخمس سنين عجاف سيتبعها خمس سمان بجهودكم الحثيثة لتسير دفة المركب بالشكل الصحيح رغم الأمواج المتلاطمة حولها( تعلو موسيقا بصوت بحر هائج في مخيلته ليردف) وهذه الخماسية المشؤومة ليست أول خماسية نتعرض لها. يربت على خده بنقرات خفيفة قائلاً: أكَل هذا الخد من الكفوف ما جعله كالصناديد، كذلك رقابنا صمدت وهي تتلقى طيارات -الصفعات المفاجئة -من الوالد ، الجار ، البقال ، المدرس ، المدير ، موظف الدولة ، مسؤول الجوازات ، معقب المعاملات حتى ثخنت جلودنا فتحولنا لزواحف صحراوية، يعني بالعامية الطيارات التي تخترق الأجواء لن تخيفنا.. رقابنا سدادة .
يغمز الضابط لسراج فيصفق بحرارة ثم ينظر لعيواظ أسمعنا مقدمتك يا ابن خلدون، تعلو ضحكات سراج التي لا تطيق الأذن سماع نشازها.
عيواظ : العالم يقيس تقدمه بتطوراته وانجازاته التي تؤمن الراحة للمواطن والتقدم للبلد ونحن بخمس سنين مضت عدنا إلى الوراء وعبرنا فوهة الزمن إلى العصور الجاهلية، لا بل أكثر مزقتنا الطائفية وشتتنا العنصرية وشردنا البطش.
صوت الضابط – أخرس يقطع عمرك –
يتحمس كراكوز لمتابعة خطابه فيرتفع صوته : وصلت أصواتنا وصورنا إلى الصفحات الأولى للمجلات العالمية، فتصدرت أخبارنا وتربعت عليها. يرفع نظره عن الخطاب ويرتجل ياسيدي خذ مثلا النيويوركر الأمريكية نعم النيويوركر ماغيرها نشرت صور لحارات حمص باب سباع ، الوعر ولحلب.. من كان يتخيل أن الناس وسط أمريكيا ستقرأ عنا، بلاش ياسيدي – يضع يديه خلف ظهره ويحني رأسه منكمشاً على نفسه، ويمشي بخطوات صغيرة متقاربة، هم يعرفون عنا ونحن هل نعرف شيئاً عن زواريب ميامي وحواكير مانهاتن (تعم الأجواء لحظات صمت ) . كذلك التايمز البريطانية نشرت صور عبود وإخواته وهم حفاة وشبه عراة على الصفحة الأولى هل كنا نحلم ..لا والله، وهل نعلم شيئاً عن أطفال كامبردج مثلاً. يرفع كلتا حاجبيه بالنفي.
ونشرت ليفيغارو الفرنسية على صفحتها الأولى صورة لامرأة سورية تبتهل للمولى هل يعلم أحدكم أن “برجيت باردوا ” بزماناتها وبجلالة قدرها وجمالها لم تحلم أن ترى صورتها على صفحة اليفيغارو.
لك خلص بيكفي مزايدات لو في سكان على القمر والكواكب لتصدرت أخبارنا صحف ومجلات عطارد والزهرة والمريخ وغيرهم. بخمس سنوات انظروا أين وصلنا، لِمَ لا تجيبون؟ سأخبركم وصلنا لآخر ما عمر الله. يعني التبولة والكبة وحراق بإصبعه رح يصيروا أشهر أكلات العالم بعد وجبة كنتاكي العفو من أمريكا. لك رشقونا كالنمل بأوربا ، أمهاتنا تمنوا سابقاً أن نتكلم لغة أنجليزية أو فرنسية، يرحم أيام أستاذ اللغة الإنجليزية يوم كنا لا نميز ال wasمن is ، اليوم البيت الواحد يرطن بعشر لغات النرويجية والسويدية والألمانية والإيطالية والإسبانية وللعلم لم نكن نعرف عن إسبانيا غير أغنية “viva Espania ”
عيواظ : خمس سنين طحنت عظامنا حولتها لمكاحل، ترملت نساؤنا وثكلت أمهاتنا فقدنا أبناءنا التهمتنا الأرض وابتلعتنا البحار وغصت السماء بجثثنا الصاعدة، وأصبحت بلادنا كمثلث برمودا تخفي من يقترب منها، تشردنا وركبنا المياه بقوارب مطاطية وتحدينا الجوع، أكلنا أوراق الشجر ونحن على الطرقات التي قذفتنا فسففنا التراب، أما حدود بلادنا التي لا يستطيع الذباب الأزرق أن يتجاوزها، فأصبحت مرتعاً للصراصير والجرذان ، وتحولت لقبر جماعي بعد أن كان لدينا ضريحاً لجندي مجهول واحد فغدونا جميعاً جنوداً مجهولين.
الضابط : اخرس يقطع عمرك غميت على قلبي .. ياسررراج …
كراكوز : يستر عرضك سيدي بلاها ضيافة سراج .
يقهقه الضابط مخاطباً سراج خذ الخطاب من كراكوز وأعطه الهدية ” هاتف ذكي ” أما عيواظ فليذهب خطابك إلى مزبلة التاريخ ولتذهب مع سراج لضيافة كرسي الاعتراف يدير عيواظ ظهره وهو يردد كلمات الماغوط :
مادامت كلمة الحرية في لغتي
على هيئة كرسي صغير للإعدام
قولوا لهذا التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي
أنني لا أملك ثمن المنديل لأرثيه …
كراكوز : أعد ما قلت ياعيواظ فأنا لا أفهم الألغاز …

Social Links: