مدخل :
كان واضحاً منذ بيان فيينا في 30/10/2015 الذي أتى بُعيد التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية، أن موسكو تعمل وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على “تطويع الميدان” وضرب المعارضة السورية، وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. كما غيبت روسيا أساس الصراع القائم على صراع سلطة ضد شعب لصالح نتائجه، وهو ليس الشكل الأفضل لتعزيز فرص استعادة شرعية حليفه (النظام الحاكم) فحسب، إنما هو المدخل الرئيس لتثبيت قواعد النفوذ الروسي في المنطقة ولتصدير قدرتها على المستوى الإقليمي والدولي في “ضبط تفاعلات وتحولات هذه المنطقة الجيوسياسية المهمة” مقابل “تعثر أمريكي يمتد لسنين”، وهو أمرٌ يُعزز تمركزها في النظام السياسي الدولي.
وبهذا السياق كان لا بد لموسكو من اتباع استراتيجية “الحل الصفري” على المستوى العسكري في سورية مستغلةً توظيف معادلة الإرهاب التي أرادتها الدبلوماسية الروسية سائلة. فضربت ابتداءً مناطق سيطرة قوى الثورة في الساحل وأخرجت كافة جيوبها من مساحات “سورية المفيدة” مُتبعة منهجية التهجير وصولاً لعودة السيطرة على حلب مؤخرا، وقابل كل ذلك هندسة سياسية روسية على مستوى الفاعلين الدوليين والإقليمين تكرس من خلالها فلسفة القيادة الروسية في التعاطي مع ملفات الربيع العربي بعد أن ضمن تدخلها العسكري المباشر اصطفافات إقليمية تغزل سياساتها الأمنية والسياسية بما لا يتعارض مع المنوال الروسي فكان “إعلان موسكو” الأخير بين طهران وأنقرة وموسكو حلقة رئيسية في تلك الهندسة. كما رافقها أيضاً إجهاضٌ دائمٌ لأية فاعلية تُرتجى من مجلس الأمن باستثناء قرار نشر المراقبين الدوليين رقم (2328) للإشراف على عملية الإخلاء كونه يعزز السيطرة الدائمة على مدينة حلب.
وأمام هذا التدحرج المتسارع للعناصر المكونة “لحل سياسي” والذي تتقصده موسكو للدفع بقواعد جديدة أمام القيادة الأمريكية القادمة، تتضاءل لدرجة كبيرة -وفق مستويات الصراع القائمة-فرص تحسين تموضع قوى المعارضة السورية وتعزز من شروط النظام . وبناءً عليه تقدم ورقة السياسات هذه استعراضاً عاماً لتداعيات معركة حلب والسياسات الأكثر نجاعة للمعارضة، إضافة لقراءة تحليلية في خلفيات إعلان موسكو وخارطة الطريق التي يؤسس لها، وحدود التباعد والتلاقي مع توجهات وأهداف المعارضة، وما هو الخيار التكتيكي الأمثل في التعاطي مع الإعلان. كما تفرد هذه الورقة في قسمها الأخير مجموعة من التوصيات الاستراتيجية تعالج تحديات قوى المعارضة –التي لطالما أجلتها ودفعت بها إلى الأمام-بحيث توفر لها مرونة سياسية ومستويات عمل نوعية تحسن من فرص هدفها النهائي والقائم على تعزيز مناخات التغيير والانتقال السياسي في سورية.

Social Links: