توضح معطيات معركة حلب الأخيرة جملة من الحقائق التي تعزز من تثبيت “قواعد نوعية” تساهم في نقل الصراع إلى مراحله الأخيرة وفق المخيال الروسي، وتسهم في إنجاز حل شكلي يرتجي منح النظام الحاكم مزيداً من الشرعية على الرغم من التشكيك الموضوعي لقدرته على مواجهة استحقاقات سورية القادمة، سواء على مستوى ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار المحلي والإقليمي أو على مستوى إدارة الفرقاء داخل بُنيته الهشة بعد أن اضطر لمنحها شراكة في وظائف أمنية وعسكرية واجتماعية سيادية. ولعل أهم هذه الحقائق ما هو مبين أدناه :
ــ التغييب الدولي والإقليمي لأبعاد الصراع المجتمعية لصالح مفاهيم الإدارة الأمنية، الأمر الذي ساهم في “التعاطي السلس” مع سياسات التدمير والتهجير والتغيير الديمغرافي لصالح تفاهمات أمنية مؤقتة كمعايير ثقة بينية أولية، يتم توظيفها لدفع العجلة السياسية باتجاهات تنهي الصراع وفق مؤشرات بوصلة موسكو المتسيدة للمشهد السياسي والعسكري في سورية. وتحاول الإدارة الروسية الاستعاضة عن المعارضة السورية كعنصر رئيس ثبتته المستندات القانونية الدولية في عملية الانتقال السياسي بفعاليات سياسية معارضة سائلة/ غير تمثيلية لشرعنة “الحل السياسي”.
ــ تأجيل معركة “مكافحة الإرهاب” التي كانت “مدخلاً رئيسياً” لتشويه تعريف الثورة السورية، وأداة وظيفية تستهدف بنى قوى الثورة والمعارضة التي لم تحسن التعامل مع هذا الملف، لصالح إتمام عناصر الحل السياسي المتخيل كوقف إطلاق النار والإجلاء المتبادل بعدما تمت السيطرة الكاملة على مدينة حلب ومن ثم تثبيت الجبهات وإنجاز تفاهم سياسي يدفع به الفاعلون الإقليميون، قائم على التصدي المشترك لهذا “الإرهاب” الذي يراد له روسياً وإيرانياً أن يشمل أكبر قدر ممكن من قطاعات قوى الثورة. وبهذا السياق تعتقد موسكو وحلفائها إن أية اختلالات قد تحدثها قوى الإرهاب في معادلات السيطرة والنفوذ ستبدو هامشية أمام الأولويات المفروضة وهذا ما يفسر تقليل أهمية عودة سيطرة تنظيم الدولة على مدينة تدمر والتي أتاحت له خيارات متعددة تهبه المرونة والسيولة، وبالتالي تعاظم قدرته على مواجهة أية استراتيجية صادة.
ــ انتهاء صلاحية العمل بمبدأ التوازن في مفهوم إدارة الأزمة بحكم “تطورات المشهد” وتبني “مبدأ تصدع المعارضة” لأسباب يتفق معظم الفاعلين الدوليين والإقليميين على أنها لم تنجح في مراعاة تقليص المهددات الأمنية وإجبارها على قبول التسوية كمدخل لمرحلة جديدة سواء باتباع أدوات ضغط سياسي أو عسكري.
إلا أن هذا من شأنه تعظيم حالات ثلاث، الأولى الانزياح المتسارع نحو منظومة القوى العابرة للوطنية التي تستغل المظلومية السنية في تمتين بناها الداخلية وتعظيم قدرته على البقاء والصمود، والحالة الثانية هي تفتيت مناطق سيطرة المعارضة وتنامي حالات الانفلات والسيولة، والحالة الأخيرة استمرار الاستعصاء في أي إنجاز يرتجى في ملفات وتحديات المرحلة الانتقالية كعودة اللاجئين والمهجرين والإدارة المحلية واستراتيجيات مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية وغيرها.
وأمام هذا تتقلص بشدة خيارات المعارضة لمواجهة هذه الوقائع المركبة بحكم أنها لم تنجح في امتلاك أدوات عسكرية ناجعة تعمل بتناغم واضح وأهداف مشتركة ولم تستطع امتلاك سياسة ذاتية تُبقي لها قدرة على امتلاك قرارها الوطني، إلا أن المرحلة القادمة تستوجب منها بحثاً معمقاً لامتلاك أسباب التمكين. وفي هذا السياق يبرز تكتيك استيعاب الصدمة واحتوائها خياراً مهماً من شأنه أن يعطل فرص الوقوع أي من الحالات الثلاثة، وهي :
1 _ تحكم “خيارات الاندماج ” على سياسات المراجعة، إذ أن هذه الخيارات تُنبئُ بالانحلال أكثر من البقاء.
2 _ عدم تنسيق المواقف والخيارات ما بين العسكري والسياسي، فالخيارات الفردانية من شأنها تسريع التفكك.
3 _ التسليم السريع لكافة أوراق القوة غير العسكرية بحكم تعاظم واقعية مبدأ إدارة الهزيمة.

Social Links: