الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(2/2) ــ حسام ميرو

الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(2/2) ــ حسام ميرو

 

أولًا: صدمة أيلول/ سبتمبر 2001 ومفهوم الإرهاب الإسلامي

استدعى حدث تفجيري برجي التجارة في نيويورك عام 2001 إعادة النظر في بعض المفاهيم لدى الإدارة الأميركية، ومن تلك المفاهيم: الإرهاب، الإسلام السياسي، الأمن القومي، الحرب الاستباقية، وغيرها من المفاهيم، وذلك بغية إعادة تقييم الحدث في المقام الأول، ومن ثم إيجاد آليات وقائية في المستقبل، خصوصًا أن “الحدث” شكّل صدمة كبرى، ليس فحسب عند الأميركيين، وإنما صدمة دولية، تأسست في جزء كبير منها على قدرة المنفذين على اختراق الأمن القومي لأعظم قوة عسكرية في العالم.

وإذا كانت المراجعة الأميركية ستشمل لاحقًا عديدًا من المستويات، فذلك لاعتبارات كثيرة خلقها “الحدث” نفسه، وأهمها فعل الصدمة، وما دار حول هذا الفعل من جدل فكري، لجهة رؤية أن هذا “الحدث” يمتلك العناصر اللازمة للنظر إليه بوصفه حدثًا تاريخيًا[1]، ومن ثمّ فإن ردّة الفعل الأميركية لن تكون آنية فحسب، ولا يمكن لها أن تكون كذلك، إذ إن منفذي الهجمات ليسوا كيانًا قانونيًا، بل هم “إرهابيون”، ومع ذلك فقد وجدت الولايات المتحدة الذريعة اللازمة لغزو أفغانستان في كانون الأول/ ديسمبر 2001.

إن الصدمة التي شكّلتها حوادث أيلول/ سبتمبر لا تقع في مستوى واحد، وربما يكون المستوى الأخطر من وجهة النظر الأميركية هي فقدان ثقة الأميركيين بدفاعات بلادهم ضد هجمات محتملة، والخوف من تكرار هذه الهجمات مستقبلًا، وما يمكن أن تستدعيه مثل هذه المخاوف من تغيير في منظومة القوانين الداخلية، من أجل تعزيز الوقاية الأمنية، ما يعني فعليًا النيل، بشكلٍ أو بآخر، من منظومة الحريات المدنية.

كما أن صورة الولايات المتحدة نفسها تعرّضت لهزة قوية في العالم، فقد بدت الولايات المتحدة الأميركية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي قائدة للنظام الدولي، في ظل وجود صعوبات موضوعية عاشها النظام الدولي من أجل الانتقال من نظام ثنائي القطبية إلى نظام شبكي متعدد الأقطاب.

في هذه السياقات، أصبحت “القاعدة” ممثلة للإرهاب الإسلامي الدولي، وهو ما سيعني في التبعية الأيديولوجية للسياق تحويل الإسلام من دين إلى عقيدة إرهابية، تسعى إلى النيل من العالم المتحضر، متمثلًا بشكلٍ رئيس بالغرب، وفي طليعته الولايات المتحدة الأميركية.

لم تكن الثقافة السياسية الأميركية قبل حوادث أيلول/ سبتمبر خالية من تصورات صدامية يمكن أن تنشأ انطلاقًا من الاختلاف العقائدي/الحضاري بين الغرب وقوى تنتمي إلى ثقافات متباينة، ومنها الثقافة الإسلامية (على الرغم من عمومية المصطلح)، بل على العكس من ذلك، فقد حفلت الساحة الأكاديمية والسياسية الأميركية بسجالات وتنظيرات عديدة حول الحروب المستقبلية، بعد انتهاء عصر الحرب الباردة.

إن التنظير الغربي حول مسألة الإرهاب، والذي استدعي بقوة بعد حوادث أيلول/ سبتمبر، اتخذ منحىً استراتيجيًا في تقييم الحدث، وهو أمر طبيعي، فقد وصف الحدث من قبل الفيلسوف الألماني الشهير يورغن هابرماس بأنه “أول حدث تاريخي عالمي”، فقد شاهده مئات الملايين حول العالم على شاشة التلفاز، وتبعًا لهذه الخصوصية العالمية كان من البديهي إعادة تشريح الدوافع الأيديولوجية الكامنة وراء التخطيط له، خصوصًا مع غياب الدافع السياسي القابل للاستثمار من قبل الجهة المنفذة.

لقد أحيا الحدث من جديد رؤية صامويل هنتنجتون حول صراع الحضارات بعد نهاية الحرب الباردة، وعَدّه العامل الثقافي عاملًا رئيسًا في الصراع بعد سقوط المنظومة الشيوعية “في أواخر الثمانينيات انهار العالم الشيوعي، وأصبح نظام الحرب الباردة في ذمة التاريخ. وفي عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الفروق المائزة للشعوب أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وإنما هي فروق ثقافية. على ذلك تحاول الشعوب والأمم أن تجيب على السؤال المهم: من نحن؟”[2].

وهكذا فإن حوادث أيلول/ سبتمبر كانت نقطة فارقة في التاريخ الأميركي الحديث ورؤيته إلى الإسلام بوصفه ثقافة مضادة للثقافة الغربية عمومًا، وللثقافة الأميركية على وجه الخصوص، لكن لن يكون هذا الاختلاف هو العامل الحاسم في تبلور الرؤية الاستراتيجية الأميركية تجاه الإسلام، وإنما وجود إرهاب إسلامي يمتلك صفة العالمية.

في الفعل وردّات الفعل نشأت مساحة خصبة وضِع فيها الإسلام تحت مجهر كبير، وربما هي المرة الأولى في التاريخ التي تحصل فيها الولايات المتحدة على حالة من الدعم الهائل من جانب الحلفاء الغربيين وغير الغربيين، إذ إنه إضافة إلى الأثر العاطفي في التعاطف مع الضحايا، أثار الحدث نوعًا من التضامن تجاه القيم المشتركة التي تجمع أميركا مع الغرب، ونشوء إحساس مشترك بأن هذا “الإرهاب الإسلامي” لا ينال من أميركا وحدها، وإنما من منظومة القيم الغربية بأكملها.

وسنسجل هنا عددًا من النقاط التي نرى أنها نقاط فارقة، وستلعب دورًا مهمًا في الرؤية الأميركية للإرهاب الإسلامي:

1- إن مصدر الاختلاف الثقافي/العقائدي يجعل من الولايات المتحدة الأميركية هدفًا رئيسيًا للإرهاب الإسلامي.

2- إن الراية الدينية لهذا الإرهاب يمكن أن تضم تحت رايتها أفرادًا ينتمون إلى جنسيات مختلفة.

3- يمتلك هذا النوع من الإرهاب إمكانيات هائلة للوصول إلى الأهداف التي يحددها.

4- لا يمكن الركون إلى المستوى الأمني الذي كان موجودًا قبل حوادث أيلول/ سبتمبر.

5- القضاء على هذا النوع من الإرهاب يحتاج إلى حلفاء يؤمنون بمنظومة القيم الغربية، أو تتقاطع مصالحهم معها.

إن التهديد الذي مثّله تنظيم “القاعدة” للولايات المتحدة هو مجرد مثال عما يمكن أن يمثله التهديد الإرهابي الإسلامي، وإذا كان الانشغال الرئيس بعد أيلول/ سبتمبر 2001 سينصب من الناحية العملية على مواجهة “القاعدة” إلا أن العقل الاستراتيجي الأميركي شُغِل فعليًا بالخلفيات التي يشكلها هذا الحدث التاريخي، ووضع تصورات وبرامج للمواجهة تتعدى تنظيم “القاعدة”، وتتجاوز مجرد ملاحقة من ينتمون إلى هذا التنظيم، وهو ما ستؤكده لاحقًا جملة الدراسات الاستراتيجية التي أنتجتها مراكز بحثية أميركية قريبة من دوائر صناعة القرار في واشنطن.

لقد بدأت الولايات المتحدة الأميركية القرن الحادي والعشرين بمواجهة مفتوحة مع الإسلام الإرهابي، وسيكون انطلاقًا من هذه المواجهة على الولايات المتحدة أن تحدث تغيّرات كثيرة في فهمها لمصادر تهديد أمنها القومي، وليس غزو أميركا للعراق وأفغانستان سوى أحد الأمثلة على تلك المواجهة، لكن هذا الجهد الأميركي المباشر في الانخراط المباشر في “الحرب على الإرهاب” ليس سوى نتيجة من نتائج ردة الفعل الأميركية على حوادث أيلول/ سبتمبر، وستؤكد الحوادث لاحقًا أن هذا الجهد الحربي لم يكن سوى أحد السيناريوهات التي وضعت أمام إدارة جورج دبليو بوش، لكنه ليس السيناريو الوحيد، بل لنقل إنه السيناريو الأكثر إفصاحًا عن تحول فكرة الإرهاب إلى فكرة مركزية في عقل صانع السياسات الأميركية، وهذا لا يعني بالطبع، ولا بأي شكلٍ من الأشكال، أن الولايات المتحدة الأميركية قد تعاطت مع هذا الإرهاب على أنه مصدرٌ لتهديد أمنها القومي فحسب، أو بوصفه هجومًا وتحديًا لمنظومة القيم الغربية، بل أيضًا بوصفه فرصة يمكن البناء عليها لتحقيق جملة من المصالح الاستراتيجية.

 

  • Social Links:

Leave a Reply