محادثات أستانة تمهّد لمرجعية جديدة للانتقال السياسي (3/2) ..

محادثات أستانة تمهّد لمرجعية جديدة للانتقال السياسي (3/2) ..

خامسًا: المخاطر المحدقة بعد أستانة

نجحت روسيا في فرض نهجها بشقّ صفوف المعارضة، وخاصّة في تركيزها على الفصائل العسكريّة، واعتمادها طرفًا رئيسًا في اتفاق وقف إطلاق النار، ثم في تحويلها إلى مفاوض سياسي، بكلّ ما يعنيه ذلك من إحداث شروخ في جسد المعارضة، وبخاصّة مؤسّساتها المعتمدة (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والهيئة العليا للمفاوضات).

وهنا يجب القول: إنّ تحويل مهمّات الفصائل العسكريّة إلى مهمّات سياسيّة- تفاوضيّة أمر يحمل كثيرًا من الدلالات الخطرة، نظرًا إلى أنّ تلك الفصائل يُفترض ألّا علاقة لها بالشأن السياسي التفاوضي، وأنّها ليست ذات خبرة واختصاص في مسار التفاوض، وعراقيل مفاوضات جنيف1، وجنيف2، وملابسات تفسير القرارات الأمميّة، وبما يعني أنّ النيّات قد تكون معقودة لخلخلة مؤسّسات المعارضة وتغليب العسكريّ على السياسيّ؛ أو أنه ينمّ عن استدارة دوليّة لتنصيب فصائل المعارضة العسكريّة، وإيلاء الأولويّة للصراع العسكريّ الذي كثيرًا ما سعى النظام لتصديره أمام الرأي العام، للهرب من استحقاقات الحل السياسيّ، أو استحقاقات ثورة حدثت لأسباب سياسيّة وحقوقيّة في الدرجة الأولى.

لقاء أستانة، إضافة إلى ذلك، حاول التغريد خارج سرب المجتمع الدوليّ بخطّ طريق آخر موازٍ، وإن كان أتبع المبادرة بذكر مرجعيّة الأمم المتحدة والقرارات الدوليّة، بما يعكس عدم رضا الدول الأوروبيّة والولايات المتّحدة، وكذلك الأمم المتحدة ومبعوثها ديمستورا، ومحاولاتهم إضعاف اللقاء، أو إفشاله، وخاصّة أنه عُقد في الأيام الأولى من تسلّم الرئيس الأميركي الجديد مهمّات منصبه، وقبل أن يُتاح له، ولفريقه، التعاطي الفعليّ مع المسألة السوريّة.

لقد بدا واضحًا أنّ وفدي المعارضة والنظام فشلا في تقريب وجهات النظر حيال آليات تطبيق وقف النار والضمانات التي يطلبها كل طرف، ما عزّز التوجّه إلى إصدار البيان الختاميّ من جانب الأطراف الثلاثة الراعية من دون توقيع الطرفين المعنيّين عليه. وأكّد رئيس وفد النظام، بشار الجعفريّ، أنّ مفاوضات أستانة “نجحت في تحقيق هدف تثبيت وقف الأعمال القتالية لفترة محدّدة، الأمر الذي يمهّد للحوار بين السوريين”، في حين أعلن رئيس وفد المعارضة، محمّد علّوش، أنّ المعارضة السوريّة “ستذهب إلى جنيف فقط في حال تثبيت وقف النار من قبل الحكومة وضمان آلية مراقبته”، وأشار الجعفريّ، ردًا على سؤال حول الوضع في وادي بردى، إلى أنه “تمّ تحرير جميع مناطق الوادي حيث تتواجد جبهة النصرة”. وكان رأس النظام بشار الأسد قد قال في مقابلة مع قناة TBS اليابانية، نُشرت مقتطفات منها في 19 كانون الثاني/ يناير، “حتى الآن، نعتقد أنّ المؤتمر سيكون على شكل محادثات بين الحكومة والمجموعات الإرهابية من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار والسماح لتلك المجموعات بالانضمام إلى المصالحات في سورية، ما يعني تخلّيها عن أسلحتها والحصول على عفو من الحكومة”.

وإذا كان النظام، المُستجيب لإلحاح موسكو المنقذة، يحاول استعادة بعض الصدقيّة أمام العالم، وتجنّب الظهور بمظهر الرافض جهد التسوية، إلا أنه اكتفى في أستانة بترديد النغمة القديمة المستهلكة عن “محاربة الإرهاب” وضرورة الفصل بين التنظيمات، والتذرّع بمشكلة المياه في دمشق لاستمرار حملة التطهير المذهبيّ الجارية على قدم وساق بأيدي حزب الله والميليشيات الإيرانيّة الأخرى. فنظام الأسد لا يزال يعدّ الحل العسكريّ السبيل الوحيد لإنهاء الصراع، أيّ إخراج المعارضين تدريجيًا من جميع معاقلهم، والحيلولة دون أي تغيير حقيقيّ. وهو تقييم تشاركه فيه إيران التي ترى أن الحفاظ على النظام السوري يضمن استمرار نظام طهران نفسه.

ومن المخاطر أيضًا أنّ الروس، في عقب أستانة، يريدون أن يؤلّفوا كيانًا ما من المنصّات المقبولة لدى النظام، لتظهيرها في محادثات جنيف المقرّرة في 20 من شباط/ فبراير الجاري. وجاءت اجتماعات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع ممثّلين لهذه المنصّات، في العاصمة الروسية، في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي، لتؤكّد أنّ المسار الذي تقوده روسيا للتوصّل إلى اتفاق على طريقتها لحل المسألة السورية، لا يزال بعيدًا عن الوصول إلى نهايات سعيدة. فلا زوّار موسكو نجحوا في مهمّتهم، ولا الدستور الروسي المقترح لسورية حظي قبولًا، ولا اجتماعات جنيف التي كانت مقرّرة في الثامن من شباط/ فبراير ستُعقد في موعدها، ولا وقف إطلاق النار يسير كما يصوّره الإعلام الروسي.

خاتمة

على الرغم من وجود نقاط استفهام كثيرة حول حظوظ محادثات أستانة في إنجاز وقف إطلاق نار شامل، إلّا أنها تعكس سقوط وهم الحلّ العسكريّ الذي وقف، خلال السنوات الماضية، في وجه بلورة الحلّ السياسي الذي كان في إمكانه وحده وقف الاقتتال السوريّ، والحدّ من الأثمان الباهظة التي دفعها السوريّون.

لقد مثّل مؤتمر أستانة اختبارًا صعبًا للتفاهم بين تركيا وروسيا، بصفتهما ضامنتين لوقف إطلاق النار، ولمدى قدرتهما على فرض التزامه من جانب الأطراف المتصارعة في ظل الرفض الإيرانيّ، وعدم قناعة النظام بالحلّ السياسي من أصله، كما سيمثّل اختبارًا للتفاهمات الروسيّة الإيرانيّة حول المسألة السوريّة. إلا أنّ الاختبار الأصعب سيكون من نصيب الطموحات الروسيّة في أن تحوز إنجازاتها رضًا أميركيًّا وغربيًّا، يفتح أمامها باب المساومات على الملفّات العالقة معه، ذلك أنه لم يظهر ما يدلّل عليه، فالغرب غاب عن أستانة، والحضور الأميركيّ كان باهتًا وأقرب إلى رفع العتب.

وبصرف النظر عن طبيعة المؤتمر، والمدعوّين إليه، والنتائج التي تمخّض عنها، فمن الصعب تعليق الآمال الكبيرة عليه بوصفه محطة تكتيكيّة، ستستعمله بعض الأطراف، لتحسين ظروف التفاوض اللاحق في لقاء جنيف المزمع.

في الحصيلة، يمثّل مؤتمر أستانة محطّة صغيرة وهامشيّة في مسار المسألة السوريّة، في انتظار أن تنتهي الإدارة الأميركيّة الجديدة من المرحلة الانتقاليّة التي قد تستمرّ بضعة أشهر. وسواء نجح الروس، عبر مسارهم السياسي، في الوصول إلى الحلّ الذي يتطلعون إليه، أم لم ينجحوا في ذلك، فإنّ هذه المسألة، على الأغلب، سوف تبقى عصيّة ومستمرّة زمنًا، ليس في وسعنا، في ضوء المعطيات القائمة، استشراف مداه. ذلك أنّ الحلّ الروسيّ، إذا قُيّض له النجاح عبر توافق دوليّ، وهذا أمر ليس مستبعدًا، لن يلبّي الحدّ الأدنى من تطلّعات السوريّين ومن مطالبهم التي عبّرت عنها ثورتهم، ولن يكون وجه سورية بعد هذا الحلّ مُغايرًا كثيرًا للوجه الذي عرفه السوريون وعايشوه على مدى عقود من الزمن، وثاروا عليه، ومن ثمّ، سوف تبقى مفاعيل ثورتهم قائمة ومستمرة في أشكال أخرى جديدة، تحدِّدها الوقائع المستجدة التي سوف تحدث، وربما بأدوات أخرى أيضًا.

في جميع المقاييس، فإنّ الحلّ الذي يُبقي على بشار الأسد بحراسة إيران وروسيا لا يُمكن أن يكون حلًا دائمًا لأنه غير عادل، وغير عقلاني. فبعد مقتل نصف مليون إنسان، وإعاقة مليون ونصف، وتهجير اثني عشر مليونًا، في الداخل والخارج، وتخريب أكثر من نصف العمران السوريّ، لا يُمكن لأيّ نظام تسبّب في ذلك كلِّه أن يكون جزءًا من الحلّ، فضلًا عن أن يكون نظامًا مستقبليًا للحكم الصالح.

  • Social Links:

Leave a Reply