إن الاستدارة الكبرى التي قامت بها أميركا تجاه المنطقة، وتجاه الإرهاب الإسلامي، أدارها باراك أوباما، ويمكن القول إن سمتها الرئيسة هي سحب ذريعة المواجهة من جانب الإسلاميين في حربهم ضد الولايات المتحدة، وهذا المبدأ ذاته كان أحد الدوافع المهمة وراء الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، وإنهاء فكرة “الشيطان الأكبر”، ورفع الغطاء السياسي عن القيادات في طهران، والمتمثل بمحاربة أميركا والغرب، وهو ما تتوقع واشنطن أن يكون مؤثرًا في بنية النظام الإيراني، وبداية لحدوث تحولات ناجمة عن التناقضات في الساحة الداخلية.
وتتوقع الولايات المتحدة الأميركية أن تدوم الحروب التي تشترك فيها قوى جهادية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تضمنته تصريحات مسؤولين أميركيين على مستوى كبير، وفي مقدّمهم باراك أوباما، لكن الرؤية المستقبلية للولايات المتحدة الأميركية تعدُّ هذا الأمر جزءًا من التحولات التي يجب أن تشهدها المنطقة، خصوصًا أن الدول الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال لم تتمكن من احتواء الإسلاميين، وخاضت معهم معارك مسلحة، وزجّت بهم في السجون، ومنعتهم من التعبير عن أنفسهم، أو السماح لهم بالمشاركة السياسية.
كما ترى الولايات المتحدة أن بعض الدول في الشرق الأوسط تحاول حبس التاريخ، ومنع أي تحول مجتمعي، وتستثمر في الدين، وأن هذا التوجه لا بدّ من أن يجد نهايته، لكن ليس عبر السماح لجهاديي هذه الدول بالتوجه إلى قتال أميركا والغرب، بل بجعل هذه الدول تدخل في معمعة التحوّل الداخلي، والالتفات إلى الأزمات الاقتصادية، ومسألة التفاوت الطبقي، والعلاقة مع المرأة، ومجمل القضايا المتعلقة بالحريات، والمشاركة في الحكم.
لا تنطلق الرؤية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتجاه الإسلام السياسي، من منظور السعي الأميركي لدمقرطة دول المنطقة، أو حرصًا على مستقبل الشعوب، إذ إنه من غير المؤكد أن تفضي التحولات الراهنة والمستقبلية، في المدى المنظور، إلى نتائج إيجابية لمصلحة شعوب المنطقة، بل إن هذا التوجه الأميركي يكشف عن رؤية مختلفة للمصالح الأميركية نفسها، وتراجع أهمية التحالفات القديمة، والاقتناع أن فتح المجال أمام صراعات المنطقة سيريح الولايات المتحدة إلى أمد بعيد من الجهاد الأممي الإسلامي.
إن الرؤية التي حكمت الاستراتيجية الأميركية خلال عهد أوباما، والتي ستستمر، عبر ما حققته من نتائج، إلى أمد بعيد، تقوم على ثلاث نقاط:
- ضرورة مشاركة القوى الإسلامية المعتدلة في الحكم داخل الشرق الأوسط.
- لا يمكن محاربة التطرف الإسلامي إلا من داخل المجتمعات المسلمة نفسها.
- نزع القداسة عن فكرة “الجهاد” لدى المجتمعات المسلمة.
بالطبع، لا يمكن في اللحظة الراهنة تقييم مجمل ما حققته هذه الاستراتيجية من نتائج، أو ما يمكن أن تنطوي عليه من مخاطر غير محسوبة على مستقبل الأمن القومي الأميركي، لكنها خلاصة تجربة عرفت الكثير من السجال والنقاش داخل أروقة صنع القرار في أميركا، وشهدت موجة من النقد الحاد، خصوصًا فيما يتعلق بنقد إدارة أوباما بأنه أضرّ بسمعة وهيبة الولايات المتحدة في ترك الساحتين العراقية والسورية من دون تدخل مباشر، ما سمح للقوى الإرهابية بارتكاب فظائع كبيرة، كما سمح للنظامين العراقي والسوري بارتكاب جرائم باسم مكافحة الإرهاب.
لكن، ما هو مؤكد أن هذه الرؤية قد حرمت القوى الجهادية من تكبيد الجنود الأميركيين خسائر في الأرواح، كما حدث سابقًا في أفغانستان، كما أن الفظاعات التي ارتكبت باسم الجهاد غيّرت الكثير في الرأي العام الإسلامي تجاه فكرة “الجهاد”، فالضحايا الذين ينال منهم لم يعودوا أشخاصًا غربيين وأميركيين يعيشون على بعد آلاف الأميال، وإنما أبناء مجتمعاتهم، واحيانًا من دينهم ومذهبهم.
الخلاصة
تعطي الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي الأميركي الإسلام السياسي مكانة أساسية، من حيث أنه يمتلك أيديولوجيا أممية، تتجاوز الطابع المحلي للمشكلات في المجتمعات المسلمة، أو التي تسودها أغلبية مسلمة، وتجد أن الانتقال من الإسلام المعتدل إلى الإسلام الجهادي في تلك المجتمعات ممكن، بحسب شدّة المشكلات السياسية، خصوصًا عندما يحرم الإسلام السياسي من المشاركة في العملية السياسية.
وقد عرفت تلك الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي الأميركي تحولًا أساسيًا في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما، حيث أعادت إدارته تقييم العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق، وما تكبده الجيش الأميركي من خسائر، نتيجة انخراطه المباشر ضد “إرهابيين”، ووجدت إدارة أوباما أن سلوك إدارة الرئيس جورج دبليو بوش في قتال “القاعدة”، والمنظمات الجهادية في ما وراء البحار، لا يعطي النتائج المرجوة منه، ومن شأن استمرار هذا النهج أن يؤدي إلى تفاقم النقمة لدى الإسلام الجهادي، ومحاولتهم إلحاق خسائر جسيمة بالمصالح الأميركية، وهو ما حاولت إدارة أوباما تجنبه، عبر استبعاد أي احتمال للانخراط في القتال المباشر ضد التنظيمات الإرهابية، وهو ما حدّد سلوكها في مواجهة “داعش”، مكتفية بالضربات الجوية، تاركة مهمة المواجهة المباشرة لقوى أخرى، تنبثق من المجتمعات المحلية نفسها، ولها مصلحة سياسية ومجتمعية في قتال الجهاديين.
لقد تطلب هذا التحوّل الأميركي عملًا في مسارات متوازية، فقد كثفت الولايات المتحدة من دعمها للمراكز البحثية العاملة في مجال الإسلام السياسي، في محاولة منها لرسم خارطة أوضح لتاريخ هذا الفكر، والقضايا التي ينشغل بها، وآليات عمل تنظيماته، والفروق الفكرية والتنظيمية فيما بينها، إضافة إلى استمرار الولايات المتحدة في تحصين الأمن القومي الداخلي، ومتابعة نشوء الشبكات الإرهابية، وتجفيف المنابع المالية، وملاحقة الممولين، ورصد صلاتهم بحكومات وأجهزة استخبارات بعض الدول.
وفي المنحى الاستراتيجي السياسي، شهدت ولاية أوباما بداية انفكاك عن الأنظمة التقليدية في الشرق الأوسط، حيث ترى أميركا أن رفع غطاء الشرعية الأميركية عن هذه النظم، من شأنه أن يضعها في سياق تاريخي جديد، بحيث تواجه مشكلاتها الداخلية الحقيقية، وخصوصًا قضايا شرعية الحكم، والعقد الاجتماعي، والتعددية السياسية، وغيرها من القضايا.
تبتغي السياسة الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط وضع النظم التقليدية أمام وضع جديد، بحيث يكون الشرق الأوسط هو ساحة الصراع بين القوى الإسلامية، ما يجعل مكانة أميركا في هذا الصراع تتراجع بشكل كبير، ولا يعود الهدف الأول إلى هجمات التنظيمات المتطرفة، كما أن انخراط لاعبين إقليميين جدد سيخلق أعداء آخرين للمتطرفين، لكن هذا الأمر في جميع الأحوال سيريح أميركا على المدى البعيد.
ومن غير المتوقع أن تغيّر أي إدارة جديدة في أميركا الخط العام للرؤية الاستراتيجية الأميركية للإسلام السياسي، وذلك بالنظر إلى النجاحات التي حققتها هذه الرؤية من الناحية العملية، فقد انحصرت مجمل النتائج الكارثية لصعود القوى المتطرفة الجهادية بعد “الربيع العربي” في منطقة الشرق الأوسط، بحيث دفعت المنطقة الكثير من استقرارها، والكثير من الضحايا، وهما أمران لا يشكلان هاجسًا في الحسابات البراغماتية الأميركية، طالما أنها بقيت في منأى عن هجمات الإرهابيين

Social Links: