دير الزور: المعقل البديل لتنظيم الدولة ما بعد الموصل والرقة(3/2) ــ رائد الحامد

دير الزور: المعقل البديل لتنظيم الدولة ما بعد الموصل والرقة(3/2) ــ رائد الحامد

نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

     نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

التداخل بين ساحتي العراق وسورية:

يتمسك تنظيم الدولة بفرض سيطرته على مناطق صحراوية واسعة في غرب وشمال غربي العراق على الحدود مع سورية لإقامة معسكراته وادامة طرق نقل الامدادات وتأمين منطلق لهجمات اعتاد شنها على مراكز المدن طيلة فترة انكفاءه في معسكرات صحراوية بين عامي 2007 و2014؛ وستظل حاجة التنظيم لهذه المناطق قائمة وسيتمسك بالدفاع عنها أكثر من تمسكه بالدفاع عن المدن في العراق وسورية.

على الجانب الاخر من الحدود السورية في محافظة دير الزور، تقع صحراء الأنبار التي يخترقها طريق دولي يربط العاصمة العراقية بالعاصمتين السورية والأردنية على مسافة تتجاوز 450 كيلومترا معظمها مناطق صحراوية تشكل أهمية استراتيجية للتواصل البري عبر الحدود وتسهيل عمليات نقل المقاتلين والسلاح من وإلى شرق وشمال شرقي سورية التي يفرض التنظيم سيطرته على بعض المناطق في سورية وتقريبا كل المناطق على الجانب الاخر من الحدود، وبالأخص المناطق الصحراوية في العراق مقابل المنطقة المحصورة بين منفذ التنف السوري في محافظة حمص، وشمالا إلى منفذ اليعربية السوري في محافظة الحسكة، والتي يبلغ طولها حوالي 640 كيلومترا.

اتخاذ الثورة السورية طابعها المسلح في صيف 2011 أدى إلى تدفق أعدادٍ من مقاتلي تنظيم الدولة إلى الأراضي السورية انطلاقاً من المعسكرات الصحراوية عبر طرق برية غير شرعية إلى محافظة دير الزور قبل انتقالهم إلى العمق السوري باسم “جبهة النصرة لأهل الشام”؛ وظلت الحدود العراقية السورية متاحة لتسلل المسلحين على جانبيها حتى خلال فترة الاحتلال الأمريكي الذي فرض رقابة جوية ونشر آلاف الجنود من حرس الحدود؛ كما أن المنافذ الرسمية على الحدود بين البلدين أصبحت ممراً للسلاح الإيراني وعناصر الميليشيات الشيعية التي كانت تتوافد إلى سورية للقتال إلى جانب قوات النظام السوري.

وخلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (2006 إلى 2014)، ظلت الصحراء العراقية المجاورة للحدود السورية خاضعة بشكل ما لسيطرة ونفوذ تنظيم الدولة، وأحيانا يتقاسم السيطرة عليها مع القوات العراقية أثناء إطلاق عملية عسكرية في تلك المناطق تتكفل بتخفيف حركة مقاتلي التنظيم نهاراً في حين تنعدم حركة القوات العراقية ليلاً.

ومنذ أواخر العام 2011 وحتى أبريل/نيسان 2013 شهدت مناطق غرب وشمال غربي العراق نشاطات عسكرية تكاملية على جانبي الحدود العرقية السورية بين “دولة العراق الإسلامية” وفرعها في سورية “جبهة النصرة لأهل الشام” ، وهو ما لفت انتباه الولايات المتحدة والحكومة العراقية وحكومات عربية خشية تشكيل واقع جغرافي متصل لنشاط التنظيمين المصنفين على لائحة الإرهاب وتنامي نفوذهما على جانبي الحدود قبل الإعلان عن خلافاتها وفك الارتباط بينهما بعد إعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام” في 9 ابريل/نيسان 2013 الذي رفضته “جبهة النصرة” وأعلنت بيعتها لتنظيم قاعدة الجهاد في خراسان بقيادة أيمن الظواهري في 11 أبريل/نيسان 2013 كإعلان عن القطيعة بينهما والدخول في حرب مفتوحة.

أما قبل توتر علاقات “جبهة النصرة لأهل الشام” مع “دولة العراق الإسلامية” في أبريل/نيسان 2013، فقد شهدت المناطق الحدودية في البلدين انتشاراً ملحوظاً لمقاتلي التنظيمين، وأصبح انتقالهم عبر الحدود أمراً خارج سيطرة الحكومتين في مناطق الشريط الحدودي جنوب غربي الموصل المعروفة بوعورتها وتواجد معسكرات تنظيم الدولة فيها، جنوبا إلى مناطق شمال مدينة القائم الحدودية عند مدخل نهر الفرات، بالإضافة إلى مناطق الشريط الحدودي من القائم (مقابل البو كمال السورية) جنوبا إلى منفذ الوليد العراقي (مقابل منفذ التنف السوري) على بعد نحو 400 كيلومترا غرب مدينة الرمادي.

 خلاصات وتوقعات:

أولاً:

ركزت الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام بعد الانتهاء من معركة حلب على استعادة السيطرة على ريف حمص الشرقي ومنع سقوط بعض مناطقه بيد تنظيم الدولة ثانية؛ كما تهدف الحملة لتأهيل قوات النظام لخوض معركة كبرى في دير الزور بعد السيطرة على خط القريتين باتجاه الباردة وما يليها من سلسلة جبلية تمتد إلى محيط دير الزور؛ وفي محور آخر للسيطرة على مناطق الجحار على الطريق الواصل بين مدينتي حمص وتدمر، وعلى الابار النفطية فيها وتأمينها ومن ثم محاصرة مدينة تدمر والسخنة من المحور الشمالي لمحاصرة مقاتلي التنظيم في جيب جغرافي أو أكثر.

ثانياً:

في الجانب العراقي من الحدود مع دير الزور باشرت القوات العراقية مدعومة بمقاتلي الحشد العشائري وبإسناد طيران التحالف الدولي مطلع العام 2017 عملية عسكرية تهدف لاستعادة مدن غرب الانبار، عانه وراوة والقائم؛ وفي حال استطاعت قوات النظام السيطرة على دير الزور والاتجاه جنوبا نحو مدينة البو كمال، فإنها ستكون على تماس جغرافي مع القوات العراقية وفصائل الحشد الشعبي التي من المرجح أن تنتشر على طول الحدود العراقية السورية مقابل محافظة الحسكة وصولا الى منطقة القائم العراقية عند مدخل نهر الفرات إلى العراق مقابل مدينة البو كمال السورية، وجنوبا حتى منفذ الوليد العراقي مقابل منفذ التنف السوري في صحراء حمص الشرقية.

ثالثاً:

اللقاء السوري العراقي في حقيقته هو لقاء بين الحشد الشعبي العراقي، قوات شيعية حليفة لإيران، وقوات سورية في معظمها موالية لإيران أيضا؛ من شأن هذا تأمين طريقين للتواصل البري بين إيران والساحلين السوري واللبناني؛ الأول من إيران مرورا بمحافظة ديالى شمال شرقي العاصمة وغربا عبر محافظة الأنبار وصولا إلى منفذ الوليد ومن ثم صحراء حمص إلى دمشق وبيروت، أما الثاني فسيمر من إيران عبر محافظة ديالى ومن ثم شمالا إلى محافظة نينوى ومنفذ اليعربية السوري في ريف الحسكة وجنوبا إلى دير الزور ومن ثم إلى صحراء حمص أيضا وصولا إلى الساحل السوري، أو إلى دمشق ومن ثم إلى الساحل اللبناني.

رابعاً:

من بين استراتيجيات تنظيم الدولة المتوقعة تخليه عن مناطق سيطرته في مدن غرب الأنبار وكذلك ما تبقى من مدينة الموصل العراقية والانتقال إلى حرب العصابات عبر هجمات متواصلة على معسكرات القوات العراقية ومراكز المدن لتحقيق أهداف محددة ومن ثم الانسحاب منها؛ لكن ليس ثمة قراءة تفضي إلى استعداد تنظيم الدولة التخلي عن محافظة دير الزور مستقبلا مع إمكانية تخليه عن مدينة الرقة المعقل الأهم له بعد معارك يقدم كل ما لديه من إمكانيات للدفاع عنها قبل الانسحاب منها للحفاظ على العنصر البشري للتنظيم وانتقاله إلى محافظة دير الزور.

خامساً:

سيستمر تنظيم الدولة بخسارة المدن والأراضي التي خضعت لسيطرته بعد أحداث الموصل 2014 بسياق واضح منذ مارس/آذار 2015 عندما خسر مدينة تكريت على يد القوات الأمنية العراقية وفصائل الحشدين الشعبي والعشائري بدعم من قوات التحالف الدولي؛ كما سجل تنظيم الدولة خسائر مماثلة في مناطق سيطرته في سورية.

سادساً:

في حال سيطر تنظيم الدولة على مدينة دير الزور ومطارها فإن خسارته لمدن غرب الأنبار على الحدود السورية لن تكون لها تداعيات كبيرة على التنظيم الذي تترسخ لدى قياداته العسكرية قناعات تتلخص في صعوبة الصمود في العمليات العسكرية بالعراق، وعدم إمكانية الاحتفاظ بالأرض إلى أجل بعيد طالما أن البيئة الاجتماعية في غرب وشمال غربي العراق بيئة عدائية اتضحت بعد معركة الفلوجة التي قاتل فيها التنظيم بمفرده لأكثر من شهرين دون مساندة أبناء المدينة؛ كما ان ما جرى في الفلوجة يتكرر الان في الموصل حيث تشير تقارير من مصادر متعددة إلى تعاون أبناء المدينة مع القوات الحكومية والتحالف الدولي.

سابعاً:

ستظل البيئة الاجتماعية في دير الزور أكثر تقبلا لوجود تنظيم الدولة قياسا بمناطق نينوى والانبار حيث تنعدم الخيارات امام السوريين بين القبول بوجود التنظيم مع غياب الفصائل الثورية عن المشهد بعد معارك حلب، أو القبول بقوات النظام.

ثامناً:

من الصعب في المدى المنظور تحقيق قوات النظام انتصارات عسكرية لاستعادة السيطرة على محافظة دير الزور، كما أن السيطرة على المحافظة بحاجة إلى اعداد كبيرة من القوات لتأمينها ومنع سقوطها ثانية بيد تنظيم الدولة الذي اعتاد على خسارة بعض المدن والعودة للسيطرة عليها إذا توفرت لديه معطيات النجاح، كما حدث في مدينة الرمادي العراقية التي عاد وخسرها ثانية، أو في مدينة تدمر التي لا يزال يخوض معركة الدفاع عنها بعد ان سيطر عليها ثانية.

تاسعاً:

على المدى البعيد، يحاول تنظيم الدولة الإبقاء على ما يشبه دولته التي أقامها في 29 يونيو/حزيران 2014 في مناطق دير الزور وامتداداتها الصحراوية العابرة للحدود مع العراق في مناطق صحراوية ظلت ملاذا امنا لمعسكراته طيلة مرحلة تراجعه منذ 2007 بعد هزيمته أمام مجالس الصحوات العشائرية وصحوات الفصائل العراقية السابقة المدعومة من القوات الأمريكية واخراجه من المدن حتى عودته ثانية مطلع العام 2014 عندما فرض سيطرته على كامل مدينة الفلوجة وأحياء عدة من مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار.

 

  • Social Links:

Leave a Reply